رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: تدويل الأزمة اليمنية وأمن البحر الأحمر

أرشيفية
أرشيفية

يشهد اليمن مع بداية عام 2026 لحظة مفصلية في تطوره السياسي والأمني، لا يمكن اختزالها في كونها استمرارًا زمنيًا لصراع مسلح طال أمده، بل بوصفها انعكاسًا لأزمة بنيوية عميقة تطال بنية الدولة والمجتمع، وتتقاطع مع اختلالات أوسع في النظام الإقليمي المحيط. فبعد أكثر من عقد من النزاع المستمر، لم يعد المشهد اليمني محكومًا بثنائية الحسم العسكري أو التسوية السياسية التقليدية، وإنما انزلق إلى نمط صراعي مركّب من " اللا حرب واللا سلام" ، تتجاور فيه سلطات الأمر الواقع مع تآكل مؤسسات الدولة، واستدامة التداعيات الإنسانية والاقتصادية على نطاق غير مسبوق.

وتتسم اللحظة اليمنية الراهنة بتشابك مستويات متعددة من الفعل الصراعي، حيث لم يعد العامل المحلي_المتمثل في الانقسام السياسي وتعدد الفاعلين المسلحين_كافيًا لتفسير ديناميات الأزمة ومساراتها المستقبلية، في ظل تصاعد الأدوار الإقليمية والدولية، وتحول اليمن تدريجيًا إلى جزء من معادلة أمنية وجيوسياسية أوسع تمتد من البحر الأحمر وخليج عدن إلى القرن الإفريقي. وفي هذا السياق، أضحى الموقع الجغرافي لليمن عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتوازنات الاستراتيجية، لا سيما مع تنامي أهمية الممرات البحرية الدولية، وتزايد حساسيتها في ظل الاضطرابات والتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

وتكتسب هذه التحولات بعدًا إضافيًا مع بروز تطورات سياسية وأمنية لافتة في القرن الإفريقي، من بينها الجدل المتصاعد حول الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" والدور الإسرائيلي المتنامي في معادلات الأمن البحري في البحر الأحمر. إذ لا يمكن النظر إلى هذه التحركات بوصفها شأنًا إفريقيًا محضًا، بل بوصفها جزءًا من إعادة هندسة المجال الأمني الإقليمي، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على اليمن، سواء من حيث عسكرة الممرات البحرية، أو إعادة تعريف التهديدات، أو توسيع نطاق الصراعات بالوكالة.

وفي ضوء ذلك، لم يعد اليمن يُختزل في كونه ساحة نزاع داخلي أو أزمة إنسانية ممتدة، بل غدا عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، لكل منها مقاربتها الخاصة لمفهوم الأمن والاستقرار في البحر الأحمر. ويسهم هذا التشابك في تقليص هامش الحلول الوطنية الخالصة، ويعيد إنتاج الأزمة ضمن منطق “إدارة الصراع” بدل معالجته معالجة جذرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الدولة اليمنية، وحدود سيادتها، وإمكانات الاستقرار مع دخول عام 2026. 

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية استشرافية للوضع اليمني، لا تكتفي بتشخيص الواقع القائم، بل تحاول استكشاف المسارات المحتملة للأزمة في ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، مع التركيز على التفاعلات بين اليمن والقرن الإفريقي، والدور الإسرائيلي المستجد في معادلات البحر الأحمر، وما يفرضه ذلك من تحديات وفرص على مستقبل اليمن السياسي والأمني.

أولاً: الاطار المنهجي  :

 تعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًا–استشرافيًا يجمع بين الوصف التحليلي للواقع الراهن في اليمن، واستشراف الاتجاهات المحتملة لمسار الصراع ، دون الانزلاق إلى افتراضات تنبؤية حتمية. ويستند هذا المنهج إلى مقاربات معتمدة في دراسات الاستشراف وبناء السيناريوهات في العلوم السياسية والعلاقات الدولية (Voros، 2003)

ويُطبَّق هذا المنهج من خلال مجموعة من الأدوات البحثية المتكاملة، أبرزها:

أولًا، تحليل الاتجاهات (Trend Analysis)، من خلال تتبع تطور أنماط الصراع، والتحولات في مواقف الفاعلين المحليين والإقليميين، والتغيرات في البيئة الجيوسياسية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يسمح بتحديد المسارات العامة للصراع اليمني (Schoemaker ، 1995)

ثانيًا، تحليل الفاعلين (Actor Analysis)، وذلك عبر دراسة مصالح واستراتيجيات الأطراف الرئيسة المنخرطة في الصراع، بما في ذلك جماعة الحوثيين، والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب الفاعلين الإقليميين والدوليين ذوي الصلة، بهدف فهم تفاعلات القوة وحدود التأثير المتبادل بينهم (Bryman, ، 2016)

ثالثًا، تحليل الخطاب السياسي والأمني، لفهم كيفية إعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار والسيادة في الخطابات الرسمية والإعلامية المرتبطة باليمن والبحر الأحمر، وهو ما يتيح الكشف عن الأبعاد غير المعلنة للصراع، ودور السرديات في إعادة إنتاجه (Fairclough, ، 1995)

 

وأخيرًا، تعتمد الدراسة على بناء السيناريوهات كأداة استشرافية، من خلال تطوير مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمستقبل اليمن، استنادًا إلى تفاعل المتغيرات السياسية والأمنية والإقليمية، مع تقييم نسبي لاحتمالات تحقق كل سيناريو (Schoemaker ، 1995) 

ثانياً: الوضع الراهن فى اليمن  :

  1- النزاع المستمر والتحولات الأمنية

يواصل اليمن منذ نهاية عام 2025 الانخراط في نزاع مركّب متعدد المستويات، تتداخل فيه الصراعات الداخلية مع الأجندات الإقليمية والدولية. ففي حين تواصل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مواجهتها لجماعة الحوثيين التي لا تزال تفرض سيطرتها على مساحات واسعة من شمال البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء، برز في الوقت ذاته مسار صراعي داخلي آخر يتمثل في التوتر المتصاعد بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، خاصة في مناطق الجنوب والشرق. (AssociatedPress، 2025)

وفي هذا السياق، شهد شرق اليمن، ولا سيما محافظتي حضرموت والمهرة، تصعيدًا ملحوظًا في المواجهات بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية. فقد تمكن المجلس الانتقالي في أواخر عام 2025 من بسط نفوذه على أجزاء واسعة من تلك المحافظات، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من استعادة السيطرة عليها في أواخر ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026، بدعم من قوات "درع الوطن" وإسناد جوي من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. (Toomey، 2025)

  في موازاة ذلك، كشفت التطورات الميدانية عن تعمّق الانقسامات داخل معسكر التحالف العربي نفسه، ولا سيما بين السعودية والإمارات، حيث شهد جنوب اليمن توترات عسكرية ، تمثلت في ضربات أو ضغوط عسكرية استهدفت فصائل مدعومة إماراتيًا، ما يعكس تباين الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين حيال مستقبل الجنوب اليمني وترتيبات ما بعد الصراع. وتؤشر هذه الانقسامات إلى هشاشة البنية الأمنية للتحالف، وإلى أن النزاع لم يعد محصورًا في ثنائية الحكومة–الحوثيين، بل بات أكثر تشظيًا وتعقيدًا (FinancialTimes، 2025)

 2- المجلس الانتقالي الجنوبي: دخول حضرموت، مشروع الانفصال، والإعلان الدستوري

•             في أوائل ديسمبر 2025، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي ، وهو فصيل انفصالي مدعوم تقليديًا من الإمارات العربية المتحدة، عملية موسعة للسيطرة على حضرموت والمهرة. هذه الخطوة مثلت توسّعًا كبيرًا في نطاق النشاط العسكري للانتقالي خارج إطار السيطرة الجنوبية التقليدية، وأثارت خلافًا واضحًا مع الحكومة الشرعية المدعومة من السعودية. 

( Helal، 2026)

•             في  2 يناير 2026 أطلق زعيم المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، ما وصفه بـ "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، متضمنًا مرحلة انتقالية مدتها عامان تنتهي باستفتاء تقرير المصير للجنوب. نصّ الإعلان على دولة مستقلة ذات سيادة على حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة، في خطوة رأى الكثيرون أنها تخطّي للشرعية اليمنية وإعادة إنتاج مشروع انفصالي خارج إطار الدولة اليمنية. (الجلال و العزب، 2026)

هذا الإعلان الدستوري الاستفزازي مثّل أعلى مستوى من التصعيد في حملة الانتقالي نحو الانفصال، وقد قوبل بردود فعل داخلية وإقليمية واسعة.

3- مؤتمر  الحوار الجنوبى- الجنوبي في الرياض 

 في سياق التصعيد العسكري الذي شهده جنوب اليمن، تقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بطلب إلى المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر جامع لمكوّنات الجنوب اليمني في العاصمة الرياض، بهدف بحث سبل معالجة القضية الجنوبية ضمن إطار توافقي، يحدّ من النزعات الانفرادية في تمثيل الجنوب سياسيًا، ولا سيما تلك التي يتبناها المجلس الانتقالي الجنوبي 

ويمثل مؤتمر "جنوب–الجنوب" مبادرة سياسية سعودية تسعى إلى إعادة هيكلة مسار النقاش حول مستقبل الجنوب اليمني عبر توسيع قاعدة المشاركة السياسية، بما يسمح بإدماج مختلف القوى الجنوبية ذات التوجهات المتباينة. وتعكس هذه المبادرة توجهًا سعوديًا نحو تحجيم الحلول الأحادية والدفع باتجاه مقاربة تفاوضية أكثر شمولًا، بوصفها مدخلًا ضروريًا لاحتواء التوترات الأمنية ومنع تحول الخلافات الجنوبية–الجنوبية إلى صراع مفتوح  . (حبتور، 2026)

وتشير تقارير إعلامية محلية وإقليمية إلى وجود ترحيب خليجي وعربي بالمبادرة السعودية، باعتبارها خطوة نحو ضبط إيقاع التفاعلات السياسية في الجنوب، في مقابل تحفظات وانتقادات إزاء مواقف المجلس الانتقالي الجنوبي التي تستبعد فاعلين جنوبيين آخرين من أي مسار حواري، وهو ما يُنظر إليه إقليميًا بوصفه عاملًا مهددًا لاستقرار المناطق المحررة 

وتكتسب هذه المبادرة دلالة إضافية في ضوء التباينات القائمة بين السعودية والإمارات بشأن إدارة الملف اليمني، لا سيما في الجنوب، حيث تختلف مقاربات الطرفين بين دعم مسار سياسي توافقي واسع، وبين الرهان على فاعلين محليين بعينهم. وهو ما يضفي بعدًا إقليميًا مركبًا على مؤتمر الرياض، ويجعل منه أداة لإعادة تنظيم التوازنات السياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، أكثر من كونه مجرد فعالية حوارية عابرة. ( Helal، 2026)

4- ردود الافعال على اعلان الزبيدي :

رد فعل الحكومة اليمنية الشرعية

قوبل الإعلان الصادر عن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، برفض حاد من قبل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وداعميها، حيث اعتُبر خطوة غير مشروعة تمثل تقويضًا مباشرًا للشرعية الوطنية والنظام الدستوري القائم. وقد نقلت وسائل إعلام يمنية تصريحات رسمية وصفت الإعلان بأنه "تمرد على الشرعية"، مؤكدة افتقاره لأي قيمة قانونية أو دستورية، الأمر الذي يعكس مستوى التدهور الذي بلغته العلاقة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي  (القدس-العربي، 2026).

ولم يقتصر رد فعل الحكومة على الإدانة السياسية والإعلامية، بل امتد إلى اتخاذ إجراءات قضائية وإدارية تصعيدية. ففي هذا السياق، أُعلن عن قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإزالة عيدروس الزُبيدي من عضوية المجلس، مع إحالته إلى النيابة العامة بتهمة "الخيانة العظمى". ويعكس هذا التطور تشددًا غير مسبوق في موقف الشرعية تجاه المجلس الانتقالي، وانتقال العلاقة بين الطرفين من حالة التوتر السياسي إلى مواجهة مؤسسية وقانونية مفتوحة  (الاناضول، 2026)

 وفي تطور لاحق، أعلن التحالف السعودي-اليميني أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، لم يلتحق برحلة متجهة إلى الرياض لحضور محادثات سياسية، وفرّ إلى وجهة غير معلنة وفقاً لما أُبلغ به التحالف، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول دوافعه السياسية والإجراءات القانونية المترتبة على قرارات الشرعية (al-monitor، 2026)

 رد فعل التحالف العربي 

على مستوى التحالف العربي، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الرئيسي في إدارة تداعيات التصعيد، حيث أكدت التزامها بمواصلة دعم الحكومة اليمنية الشرعية، وقدرتها على احتواء أي انفلات أمني يهدد استقرار المناطق المحررة. وفي موازاة ذلك، أطلقت الرياض مبادرة سياسية تمثلت في الدعوة إلى حوار شامل في العاصمة السعودية، في محاولة لإعادة توجيه الأزمة نحو مسار تفاوضي يحد من مخاطر التصعيد العسكري (الشرق-الاوسط، 2026)

كما مارست السعودية ضغوطًا دبلوماسية على دولة الإمارات العربية المتحدة بهدف التهدئة وتشجيع تبني مقاربة سياسية لمعالجة الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بما يضمن عدم تحول التوترات الداخلية إلى عامل إضعاف للتحالف ككل

وفي المقابل، دعت الإمارات إلى ضبط النفس وتغليب الحوار، في موقف عكس حرصها على احتواء تداعيات التوتر والحفاظ على تماسك العلاقة مع السعودية، في ظل حساسية الملف اليمني وتشابك المصالح الإقليمية المرتبطة به  (thenationalnews، 2026)

ثالثاً: الاعتراف الإسرائيلي بإقليم " أرض الصومال"  وأبعاده الاستراتيجية

في أواخر عام 2025، أثار إعلان إسرائيلي بشأن الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" بوصفه كيانًا سياسيًا مستقلًا موجة واسعة من التفاعلات الإقليمية والدولية. ويُعد إقليم أرض الصومال كيانًا انفصاليًا بحكم الأمر الواقع، يسيطر على شمال غرب الصومال منذ عام 1991، ويتمتع بمؤسسات حكم شبه مستقلة، إلا أنه لم يحظَ باعتراف دولي رسمي من قبل الأمم المتحدة أو القوى الكبرى. وقد اعتُبرت الخطوة الإسرائيلية_وفق توصيفات إعلامية وتحليلية غربية_سابقة لافتة من شأنها إعادة فتح ملف الانفصال في القرن الأفريقي، بما يحمله من تداعيات على منظومة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وشرق أفريقيا (Reuters، Somalia rejects any foreign recognition of Somaliland، 2025)

أ‌-             خلفيات الاعتراف الإسرائيلي

تشير التحليلات الاستراتيجية إلى أن التحرك الإسرائيلي تجاه أرض الصومال يتجاوز إطار التطبيع الثنائي أو الامتداد التقليدي لما يُعرف بـ"اتفاقيات أبراهام"، ليعكس حسابات جيوسياسية أعمق مرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، باعتبارهما من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية والطاقة. وتبرز هذه الحسابات في سياق تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة، والهجمات التي طالت الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وما تبعها من توسع في نطاق التنافس العسكري والاستخباراتي في المنطقة (الجزيرة، إسرائيل والقرن الأفريقي: رهانات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، 2025)

ومن المنظور الإسرائيلي، يُنظر إلى إقامة علاقات رسمية أو شبه رسمية مع كيان جغرافي مطل على خليج عدن بوصفه فرصة لتعزيز القدرات الاستخباراتية واللوجستية، ولا سيما في ما يتعلق بمراقبة التحركات العسكرية لجماعة الحوثيين في اليمن، وكذلك موازنة النفوذ الإقليمي لقوى منافسة في القرن الأفريقي. وتنسجم هذه المقاربة مع ما تطرحه مراكز أبحاث إسرائيلية وغربية حول أهمية توسيع نطاق الانتشار غير المباشر في البحر الأحمر ضمن استراتيجيات الردع والاحتواء الإقليمي (IISS, The Horn of Africa and Red Sea security dynamics., 2025)

ب‌-           المعارضة الإقليمية والدولية للقرار

قوبل التوجه الإسرائيلي بانتقادات ورفض واسع على المستويين العربي والإفريقي، حيث عبّرت الحكومة الصومالية عن إدانتها الشديدة لأي خطوات تمس وحدة أراضيها أو تتجاوز الشرعية الدولية، معتبرةً أن أي اعتراف بإقليم أرض الصومال يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. كما صدرت مواقف عربية رسمية تؤكد دعم وحدة الصومال وتحذر من أن هذه الخطوة قد تسهم في نقل صراعات الشرق الأوسط إلى منطقة القرن الأفريقي، بما يهدد استقرارها الهش (جامعة-الدول-العربية, 2025)

وعلى الصعيد الدولي، حذّرت تحليلات بحثية من أن الاعتراف بكيانات انفصالية في هذه المرحلة قد يشجع نزعات الانفصال في مناطق أخرى من أفريقيا، ويُضعف الأطر القانونية الحاكمة للنظام الدولي، فضلًا عن تعقيد الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، الذي بات أحد أكثر المسارح الجيوسياسية حساسية في النظام العالمي المعاصر (CSIS، Red Sea geopolitics and recognition politics in the Horn of Africa.، 2025)

 وعلى مستوى القارة الإفريقية، تجاوز رد الفعل الرسمي حدود الاستنكار إلى ما يشكّل اهتمامًا استراتيجياً أعمق يتعلق بمكانة إسرائيل نفسها داخل إفريقيا. فقد أدان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الاعتراف بأشد العبارات، واعتبره "انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي والمواثيق القارية"، مطالبًا بسحب هذا الاعتراف فورًا للحفاظ على سيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وهو موقف يعكس تمسك القارة بمبدأ احترام الحدود المعترف بها منذ فترة ما بعد الاستقلال كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي. (الشرق، 2026)

وانسجامًا مع هذا الموقف المؤسسي، أعلنت دول أفريقية عديدة، من بينها نيجيريا والجزائر وغيرها من أعضاء الاتحاد الأفريقي، دعمها سيادة ووحدة الصومال ورفضها القاطع لخطوة إسرائيل، معتبرة إياها انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وتهديدًا للأمن في القرن الإفريقي.   هذا الرفض لم يقتصر على الهيئات الحكومية فقط، بل امتد في بعض الدول إلى تأييد لمواقف الاتحاد الأفريقي ودعوات لإجراءات مشتركة تقيّم دبلوماسية الاعتراف كمحاولة لإحداث سابقة يمكن أن تضعف من دعائم السيادة الوطنية في القارة.  ( Yusuf، 2025)

ويعكس هذا الاستياء الأفريقي أيضًا توترًا متزايدًا بشأن الدور الإسرائيلي في إفريقيا، حيث ينظر إلى خطوة الاعتراف كجزء من سياسة خارجية قد تُستغل لإعادة تشكيل قواعد النفوذ الجيوبوليتيكي في المنطقة، وبالتالي قد تضعف مكانة إسرائيل لدى مجموع من الدول الإفريقية التي لطالما حافظت على علاقات دبلوماسية معها. إن التحرك الذي قاده الاتحاد الأفريقي، والذي وصفه بأنه "تهديد مباشر للأمن والسلام في القارة"، يعكس رغبة في إعادة تأكيد قيم الانتصاب الوطني داخل العلاقات الدولية، ويضع الخطوة الإسرائيلية موضع نقاش واسع في دوائر السياسة الأفريقية باعتبارها ليست مجرد قضية ثنائية بين إسرائيل وأرض الصومال، بل اختبارًا لمكانة إسرائيل داخل مجتمع الدول الإفريقية ومبدأها في الالتزام بالقواعد الدولية المتفق عليها. 

رابعاً: تأثير الاعتراف الإسرائيلي على اليمن والمنطقة

1-              التأثيرات الأمنية

يرتبط الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال ارتباطًا مباشرًا بأمن البحر الأحمر، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، حيث يمر عبره ما يقارب 12% من حركة التجارة الدولية، ويضم مضيق باب المندب الذي يشكّل نقطة تحكم رئيسية في خطوط الملاحة بين الخليج العربي وبحر العرب. وتمثل هذه الممرات مجالًا حيويًا للأمن اليمني، الأمر الذي يجعل أي تصعيد أو إعادة ترتيب موازين القوى فيها عامل ضغط إضافي على اليمن باعتباره فاعلًا محوريًا في المعادلة الجيوسياسية للمنطقة  (الجزيرة، البحر الأحمر وباب المندب: صراع النفوذ وتداعياته الإقليمية.، 2025)

وفي هذا السياق، يُنظر إلى التحرك الإسرائيلي باعتباره محاولة لتأمين مواقع استراتيجية بديلة تتيح مراقبة النشاط البحري وتوسيع نطاق العمل الاستخباراتي والعسكري في البحر الأحمر. ومن شأن هذه المواقع أن تُستخدم في إطار موازنة التهديدات الإقليمية، سواء تلك المرتبطة بجماعة الحوثيين في اليمن أو بالنفوذ الإيراني الأوسع في المنطقة، بما يعكس انتقال الصراع من نطاقه المحلي إلى فضاء ردعي إقليمي أكثر اتساعًا (IISS، Maritime security in the Red Sea، 2025)

2-            التأثيرات السياسية والدبلوماسية

من المرجّح أن يسهم هذا الاعتراف في زيادة تعقيد المشهد الدبلوماسي بين دول القرن الأفريقي والدول العربية، بما فيها اليمن، التي تتأثر أصلًا بانقسامات حادة بين قوى إقليمية فاعلة_مثل السعودية والإمارات وإيران وتركيا_حول ترتيبات النفوذ والتحالفات الاستراتيجية في البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية. ويؤدي هذا التداخل إلى إضعاف فرص بلورة موقف إقليمي موحد تجاه قضايا الأمن البحري والاستقرار الإقليمي (Reuters، Horn of Africa tensions complicate Red Sea diplomacy، 2025)

كما أن استمرار الصراع الداخلي في اليمن يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لتوظيف هشاشة الدولة اليمنية ضمن صراعات أوسع في القرن الأفريقي، وهو ما من شأنه تقويض فرص السلام المستدام، وتحويل اليمن إلى ساحة أكثر تعقيدًا لتصفية الحسابات الجيوسياسية المتشابكة  (CSIS، Red Sea rivalries and Yemen’s strategic vulnerability.، 2025)

3-            التأثيرات الإنسانية

ينعكس تصاعد التوترات الإقليمية في البحر الأحمر سلبًا على الوضع الإنساني في اليمن، إذ يعتمد تدفق المساعدات الدولية بصورة كبيرة على استقرار خطوط الملاحة البحرية، ولا سيما عبر مضيق باب المندب. وفي حال اتساع نطاق النفوذ الخارجي أو تغير قواعد الاشتباك الأمني في هذه المنطقة، قد تتعرض عمليات الإغاثة الإنسانية لمزيد من التعطيل، ما يفاقم هشاشة الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات الخارجية بشكل شبه كامل (UNOCH، 2025)

 

خامسا:  السيناريوهات المستقبلية لليمن ( – 2026):   

1-            السيناريو الأول: مشروع الانفصال الجنوبي ومستقبله المحتمل

أظهرت التطورات التي شهدتها الأيام القليلة الماضية مدى هشاشة المشروع الانفصالي، خاصة بعد الاعلان عن مغادرة عيدروس الزُبيدي الأراضي اليمنية بمساعدة إماراتية، في ظل تصاعد التوتر مع الحكومة الشرعية المدعومة من المملكة العربية السعودية. وقد مثّل هذا التطور ضربة سياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، إذ فقد أحد أبرز رموزه القيادية في مرحلة بالغة الحساسية، ما أسهم في تعميق حالة الاستقطاب القائمة بينه وبين أطراف التحالف العربي، ولا سيما الجانب السعودي (reuters، 8-1-2026).

وفي هذا السياق، يبرز سيناريو تعثر أو فشل المشروع الانفصالي كأحد الاحتمالات القوية، خاصة في حال استمرار التباين بين المواقف الإماراتية والسعودية إزاء مستقبل الجنوب، إلى جانب احتمالات تفكك بنية المجلس الانتقالي نتيجة غياب قيادة موحدة وقاعدة شعبية مستقرة. ويتعزز هذا السيناريو في ظل تعرض قوات المجلس لضغوط عسكرية وأمنية من قبل القوات الحكومية المدعومة سعوديًا، الأمر الذي يحدّ من قدرته على فرض أمر واقع سياسي أو ميداني مستدام.

في المقابل، يظل تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في اليمن مرهونًا بإطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف الفصائل والقوى اليمنية، بوصفه المسار الوحيد القادر على معالجة جذور الصراع وبناء تسوية مستدامة (الجزيزة، 2026)

 

2-            السيناريو الثاني: مستقبل اليمن كدولة موحدة وصراع الحوثيين

في حال استمرار وحدة الدولة اليمنية، يظل الصراع مع جماعة الحوثيين التحدي الأبرز أمام الحكومة الشرعية، باعتبار الجماعة الفاعل العسكري والسياسي المسيطر على أجزاء واسعة من شمال البلاد. ويتوقف مسار هذا الصراع، سواء باتجاه الاحتواء أو التصعيد، على مدى توافر حوار سياسي شامل يضم مختلف الفصائل اليمنية؛ إذ إن غياب هذا الحوار من شأنه الإبقاء على حالة عدم الاستقرار وتجدد المواجهات المسلحة. وعلى النقيض، فإن أي تسوية محتملة ستتطلب تنازلات سياسية متبادلة، إلى جانب دور فاعل للمجتمع الدولي في دعم مسار السلام. (عربي-بوست، 2025)

وفي هذا السياق، يتضح أن تحقيق الاستقرار في اليمن لا يمكن أن يُختزل في الحلول العسكرية، بل يستلزم عملية سياسية تفاوضية تشمل الحكومة والحوثيين والفاعلين المحليين في الشمال والجنوب، مع توفير ضمانات لحماية الحقوق السياسية والاجتماعية. وبدون هذا المسار الشامل، ستظل البلاد عرضة لدورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار وتداعيات إنسانية عميقة. (Reuters، AU calls for immediate revocation of Somaliland's recognition by Israel، 2026)

3-            السيناريو الثالث: العلاقات الخليجية ومستقبل التحالف السعودي–الإماراتي

أدت الخلافات الأخيرة في اليمن إلى توتر غير مسبوق بين السعودية والإمارات؛ فقد اتهمت السعودية الإمارات بالتورط في إخراج الزبيدي وإضعاف جهودها للحفاظ على وحدة اليمن، بينما تنفي الإمارات هذه الاتهامات. (apnews، 8-1-2026)

هذا التصدّع في التحالف الخليجي قد يعيد تشكيل السياسات الإقليمية في اليمن والمنطقة؛ علاقة السعودية والإمارات قد تشهد تنافساً أكبر على النفوذ بدل التعاون، ما قد ينعكس في دعم فصائل متباينة داخل اليمن وتعديل أولوياتهم الاستراتيجية تجاه الصراع الحوثي ومسألة الانفصال الجنوبي.

 التوتر بين القوى الخليجية يمكن أن يزيد تعقيد أطر السلام المحتملة ويضعف القدرة على التوصل إلى تسوية شاملة، بينما الفرص تتاح عبر تحالفات سياسية ودبلوماسية جديدة مبنية على مصالح مشتركة تتجاوز الخلافات الحالية. ( Cheeseman، 2026)

خاتمة :

تُظهر الدراسة أن الوضع اليمني في عام 2026 يظل على مفترق طرق حرج، حيث تتشابك الصراعات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، لتشكل عقدة جيوسياسية استراتيجية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فبين استمرار النزاع المسلح، وتصاعد المشروع الانفصالي الجنوبي، والتباينات في إدارة التحالف العربي، يزداد تعقيد المشهد السياسي والأمني، ويقلّص هامش الحلول الوطنية. كما يفتح الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" آفاقًا إضافية لتنافس النفوذ الإقليمي، ما يعكس انتقال النزاعات اليمنية من إطار محلي إلى صراع إقليمي متعدد الأبعاد، مع انعكاسات مباشرة على الأمن البحري والاستقرار الإقليمي، وتهديدات ملموسة للوضع الإنساني. وفي ضوء هذه التطورات، تبدو السيناريوهات المستقبلية متباينة فمشروع الانفصال الجنوبي يواجه احتمالات كبيرة للفشل نتيجة غياب قيادة موحدة وتباين الدعم الإقليمي، بينما يبقى الصراع مع الحوثيين العامل الحاسم في مستقبل الدولة اليمنية الموحدة، إذ لا يمكن تحقيق استقرار مستدام دون حوار سياسي شامل يشمل جميع الفاعلين. وفي الوقت نفسه، تبرز العلاقات الخليجية المتوترة، خاصة بين السعودية والإمارات، كعامل مؤثر في تشكيل مسارات النزاع وإمكانية التسوية، ما يعكس هشاشة التحالفات الإقليمية وضرورة إيجاد توازنات جديدة لضمان استقرار اليمن والمنطقة. بالتالي، فإن مستقبل اليمن يرتبط بقدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية، وإقامة حوار سياسي شامل، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية بما يحقق استقراراً مستداماً، ويحول البلاد من ساحة صراعات متعددة المستويات إلى حالة إدارة أزمة نحو بناء الدولة والمجتمع.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء