كانت نتائج عملية طوفان الأقصى استثناءً في شأن القضية الفلسطينية؛ كانت المرة الأولى التي نفذ منها الإعلام العالمي إلى لب الحقيقة وساند بنسبة كبيرة الشعب الفلسطيني. خاض العرب حروبًا عسكرية عديدة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ربما استطاع العرب خلالها تكبيد إسرائيل خسائر أو بعض الهزائم، لكنهم خسروا على طول الخط الحروب الإعلامية في مواجهة الإعلام الصهيوني.
استمر الإعلام الصهيوني احترافيًا، بينما استمر الإعلام العربي عشوائيًا وممزقًا ويفتقد التنسيق بين 22 دولة كان يجب أن تكون قادرة على مواجهة إعلام الصهيونية وكسب الرأي العام العالمي والغربي خاصة.
ورغم ما حدث من تغير في الإعلام العالمي بعد عملية طوفان الأقصى، فإن الإعلام الصهيوني استعاد عافيته ولم يندحر أو ييأس وواصل تنفيذ خططه المحكمة للسيطرة مرة أخرى على الرأي العام الغربي.
لا تعد الدعاية الصهيونية وليدة الزمن المعاصر، بل تعود جذورها إلى بداية المشروع الصهيوني للاستيطان في فلسطين. أدرك تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية أهمية الدعاية لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية، فضمن مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897 الذي أسس للحركة الصهيونية خططًا للدعاية وضعت باحتراف رغم الوقت المبكر لعلم الدعاية المنهجية والإعلام الحديث.
كان سلاح الدعاية الأبرز في ذلك الوقت الصحف، فأنشأ هرتزل صحيفة “دي وولت” أي “العالم”، وصدر العدد الأول منها في يونيو 1897، وجاء في افتتاحيتها: يجب على هذه الجريدة أن تكون درعًا وسلاحًا للشعب اليهودي، سلاحًا يستعمل ضد أعداء الشعب اليهودي بلا فرق في الدين.
وضعت الحركة الصهيونية الإطار العلني والمنهجي الأول لمشروعها في مؤتمر بازل.
يعد مؤتمر بازل اللحظة التي انتقلت فيها الصهيونية من أفكار متفرقة ونقاشات نخبوية إلى مشروع سياسي منظم له برنامج ومؤسسات وأدوات. في هذا المؤتمر لم تُعلن خطة عسكرية أو تفاصيل تنفيذية مباشرة، بل وضع ما سمي لاحقًا ببرنامج بازل الذي نص صراحة على أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بضمانات قانونية دولية، وهو نص بالغ الخطورة لأنه كشف مبكرًا أن المشروع لا يقوم على الهجرة فقط، بل على انتزاع اعتراف دولي وتمهيد قانوني وسياسي للاستيطان.
أهمية مؤتمر بازل لا تكمن فقط في قراراته المعلنة، بل فيما أسسه من عقلية تخطيط بعيدة المدى، فقد خرج المؤتمر بتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية، ووضع آليات للعمل الدبلوماسي والإعلامي والمالي، وأقر مبدأ العمل التدريجي طويل النفس، وهو ما جعل هرتزل يكتب في مذكراته عبارته الشهيرة التي قال فيها بمعناها: إن دولة اليهود قد أُسست في بازل، وأن العالم سيدرك ذلك بعد عقود. وبالفعل لم تمر خمسون سنة حتى أعلنت دولة الاحتلال، وكان مؤتمر بازل لحظة وضع الأساس النظري والسياسي والإعلامي لمشروع استعماري عرف ماذا يريد وكيف يصل إليه ومتى يعلن نفسه. كانت بازل بداية الوعي الصهيوني بأهمية التنظيم والتخطيط والرواية، وهي العناصر نفسها التي سترافق المشروع لاحقًا في الإعلام والسياسة والدبلوماسية، وتفسر كثيرًا من الفوارق بين خصم يخطط لعقود وأمة تكتفي برد الفعل.
صار الإعلام الصهيوني ذراعًا ورمحًا وبندقية، ومقدمة ضرورية لها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر أدركت الحركة الصهيونية أن الاستيطان في فلسطين لا يمكن أن يمر بالقوة المجردة، وأن الأرض لا تُغتصب فقط بالسلاح، بل بالرواية، وأن الوعي العالمي هو ساحة المعركة الأولى والأخطر، لذلك بدأ العمل مبكرًا على بناء خطاب إعلامي محكم يعيد صياغة التاريخ ويعيد تعريف الجغرافيا ويقلب معادلة الضحية والجلاد، فظهرت الصحف ودور النشر والمراكز الفكرية التي قدمت الصهيونية على أنها حركة تحرر قومي، وصورت فلسطين كفراغ ينتظر من يعمره، واستثمرت الاضطهاد الأوروبي لليهود لتصنع غطاءً أخلاقيًا لمشروع استعماري استيطاني كامل.
منذ بداياته لم يكن هذا الإعلام معنيًا بنقل الوقائع، بل بصناعة المعنى، فركز على بناء رواية واحدة متماسكة تُكرر بلا كلل حتى تتحول إلى بديهية في العقل الغربي؛ رواية دولة صغيرة ديمقراطية محاصرة، تدافع عن نفسها في محيط متوحش. تحكم هذا الإعلام بالمصطلحات قبل أن يتحكم بالأحداث، فصار الاحتلال نزاعًا، والاستيطان نموًا طبيعيًا، والمقاومة إرهابًا، وصارت المجازر دفاعًا عن النفس، وأصبح الفلسطيني غائبًا إلا بوصفه رقمًا أو تهديدًا أو ظلًا بلا ملامح. صيغ هذا الخطاب باحتراف ليتلاءم مع القيم الغربية السائدة، فخاطب العقل الغربي بلغته، مستخدمًا مفردات الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، لا بوصفها مبادئ عامة، بل كامتيازات حصرية للكيان الصهيوني.
وراء هذه الدقة والانضباط لا تقف مؤسسة واحدة خفية، بل شبكة واسعة متداخلة تعمل بتناغم شديد: إعلام وصحافة ومراكز أبحاث وجماعات ضغط وأكاديميا وسينما، كلها تعمل ضمن سردية واحدة وإن اختلفت أدواتها. فالرسالة الإعلامية لا تنفصل عن القرار السياسي، ولا عن البحث الأكاديمي، ولا عن الصورة السينمائية، بل تتكامل جميعها لتشكل وعيًا طويل الأمد، لا يتأثر بتغير الحكومات ولا بتبدل الأحداث. هذا الإعلام لا ينتظر وقوع الحدث ليفسره، بل يسبق الحدث ويضع إطاره ومعناه مسبقًا، مستثمرًا عقدة الذنب الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، ومحولًا التعاطف التاريخي إلى دعم سياسي وعسكري وإعلامي دائم.
لم يفشل العرب لأن قضيتهم ضعيفة أو لأنهم بلا حق، بل لأنهم دخلوا معركة الوعي بلا استراتيجية. غابت الرواية الموحدة وحضر الخطاب المتناقض، وسيطر الانفعال حيث كان يجب أن تحكم المهنية، وانشغل الإعلام العربي بمخاطبة ذاته بدل مخاطبة العالم، فبقي سجين اللغة المحلية والهم الداخلي، عاجزًا عن اختراق الفضاء الدولي أو التأثير في صناع القرار أو الرأي العام الغربي. لم يُستثمر في بناء مؤسسات إعلامية عالمية ولا في مراكز بحث قادرة على صياغة خطاب قانوني وإنساني رصين، وبقيت القضية تُعرض بوصفها مأساة عاطفية لا قضية عدالة كونية.
إن الإعلام الصهيوني منظم تنظيمًا محكمًا في الغرب، ويمثل أحد العوائق الأساسية أمام تفهم الغرب حقائق القضية الفلسطينية والفهم الصحيح أيضًا للإسلام وتحويل صورته الذهنية إلى تجسيد للإرهاب. لم ينتصر الإعلام الصهيوني لأنه أصدق أو أعدل، بل لأنه أكثر تنظيمًا وأكثر وعيًا بطبيعة المعركة، بينما بقي العرب يتعاملون مع الإعلام بوصفه ملحقًا لا ساحة قتال، والحق، مهما كان جليًا، لا ينتصر وحده ما لم يُحمل بعقل بارد ولسان دقيق ونفس طويل.