رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

في خطوة مهمة وذكية من مكتبة الإسكندرية أصدرت سلسلة كتيبات للشباب والنشء تحت عنوان "تراث الإنسانية"، لتعريف الأجيال الجديدة بمجالات شتى في التاريخ والعلوم والفنون والآداب والجغرافيا والتراجم الرموز الفكر والعلم والفلسفة في العالم العربي وربما العالم أجمع، ولكن بطريقة مبسطة وخفيفة، دون الدخول في تفاصيل معقدة أو تفصيلات متخصصة.

 

وجاء أول كتاب الذي أعتبره من أهم كتب السلسلة كتاب “ابن خلدون”، حياته وإسهاماته العلمية، من تأليف مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور أحمد عبد الله زايد، والدكتور زايد لمن لا يعرفه هو أحد رموز علم الاجتماع الحديث والمعاصر في مصر والوطن العربي، وحاز جائزة النيل في العلوم الاجتماعية العام الماضي 2025، وله العديد من الكتب والمواقف والآراء التي تشي بحس أكاديمي عال وروح شعبية أصيلة، وجرأة وصراحة وصدق في تناوله لأي موضوع.

 

أعجبني أن مدير مكتبة الإسكندرية صاحب المجلدات الفارهة في علم الاجتماع، يقرر أن يضع كتابًا مبسطًا ومختصرًا للنشء والشباب عن رائد علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون المولود في تونس 1332 والمتوفى في مصر 1406 ميلادية، وهو صاحب المقدمة الشهيرة التي تعد الجزء الأول من كتابه الأشهر الذي جاء في سبعة أجزاء، ويشار إليه لماماً بكتاب "العبر"، أما اسمه الكامل فهو كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

 

في هذه الحالات وحين يكتب أحد المعاصرين تراجم للنشء والشباب عن أحد رموز التاريخ ورائد علم الاجتماع، فهو بلا شك سيتحرى الحرص في التعامل مع سيرته، لتظهر الشخصية في هيئة نهائية تشبه الأولياء والقديسين، فهي لم تخطئ ولم تتخذ مسارًا منحرفًا في حياتها، ولم تتلوث بأي شكل من الأشكال، هكذا يرى البعض أنهم يحافظون على الصورة الرمزية لمن يترجمون لهم. 

 

 لكن فطانة مؤلف كتيب ابن خلدون جعلته يربط بين سيرته الذاتية والخبرة العملية التي تلقاها في منتصف حياته حين شارك في العديد من الدسائس والمؤامرات بحكم تواجده في ديوان الحكم في تونس في مناصب متعددة، وصل ذات مرة إلى درجة تقترب من درجة الوزير، وكيف هرب من تونس إلى الأندلس، ثم عاد مرة أخرى إلى تونس ولم يسمح له بدخولها إلا بعد عفو الأمير، ثم تدخل عدد من كبراء تونس لدى الأمير ليعفو عنه ويتركه يعيش في حماهم بقلعة ابن سلامة، وهو المكان الذي قضى فيه نحو 4 سنوات وساعده في تأليف مقدمته وكتابه الشهير الذي يحمل بذرة علم الاجتماع على أسس علمية للمرة الأولى تقريباً.

 

حين يذكر المؤلف أن ابن خلدون بحكم مناصبه المتعددة التي تقلدها في السلطة لمدة 25 عامًا منذ كان في العشرين من عمره، شارك في المؤامرات والدسائس التي كانت تحاك في قصور الحكام، فهو هنا إنما يشير إلى ضلوع ابن خلدون واستفادته العملية من تواجده في المطبخ السياسي وإعادة إنتاج تلك الخبرة مضيفًا إليها معارفه في اللغة والفلسفة والشريعة ليقدم لنا كتابه العمدة والمؤسس في علم الاجتماع.

 

يشير الكتاب إلى الدور المهم الذي لعبه ابن خلدون في تونس وفي مصر خصوصا أنه تولى أرفع منصب قضائي في مصر آنذاك وهو قاضي قضة المالكية في عهد السلطان المملوكي قلاوون، وكيف استطاع ترسيخ دعائم علم الاجتماع من خبراته العملية في قصور الحكم، وقراءاته ورؤيته العميقة للأمور وتأمله النجيب فيها.

 

اختار الدكتور أحمد زايد إذن أن يقدم ابن خلدون للشباب بصورة موضوعية صادقة مبسطة كبشر وليس كولي أو قديس أو رمز، اختار أيضًا أن يتناول سيرته بطريقة منهجية خفيفة تلم بكل جوانب حياته، واختار في النهاية أن يجعل من هذه السلسلة نافذة على عوالم أخرى أتمنى أن تنجح في تأدية رسالتها بتوعية وتثقيف الشباب وتعريفهم برموز العلم والتاريخ والأدب القديم بشكل مبسط وموضوعي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء