رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى رحيل إبراهيم اليازجي.. رائد التجديد اللغوي وإحياء العربية

 إبراهيم اليازجي
إبراهيم اليازجي

تحل في التاسع والعشرين من ديسمبر ذكرى رحيل اللغوي والشاعر والناقد اللبناني إبراهيم اليازجي، أحد أبرز رموز النهضة الفكرية واللغوية في العالم العربي، والذي كرس حياته للدفاع عن اللغة العربية وتجديدها، وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية كلغة علم وفكر وأدب، بعد ما أصابها من تراجع خلال فترات طويلة من الجمود.

النشأة

ولد إبراهيم ناصيف عبد الله ناصيف اليازجي في الثاني من مارس عام 1847 بمدينة بيروت، داخل أسرة عُرفت بالعلم والأدب، وكان والده ناصيف اليازجي شاعرًا وأديبًا كبيرًا ومن أبرز أعلام عصره، في هذا المناخ الثقافي، نشأ إبراهيم محاطًا بالكتب واللغة، فتلقى على يد والده علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وتشرب منذ صغره حب البيان والاهتمام بدقة التعبير، وهو ما شكّل لاحقًا ملامح مشروعه الفكري واللغوي.

التكوين العلمي

لم يقتصر تكوين اليازجي على علوم اللغة وحدها، بل اتجه إلى دراسة الفقه الحنفي على أيدي عدد من كبار العلماء، ما أتاح له الاطلاع على التراث الإسلامي من زاوية فقهية ولغوية في آن واحد، كما حرص على تثقيف نفسه ذاتيًا بالاطلاع على كتب التاريخ والفلسفة واللغات، الأمر الذي أسهم في بناء عقل نقدي منفتح، قادر على المقارنة والتحليل، وجعل كتاباته تتسم بالعمق والدقة والاتساع.

البدايات الشعرية

بدأ إبراهيم اليازجي نظم الشعر في سن مبكرة، فكان الشعر بوابته الأولى إلى عالم الأدب، ووسيلته للتعبير عن أفكاره ومشاعره، واتسم شعره بالجزالة والالتزام بقواعد العربية، مع ميل واضح إلى التجديد في المعاني والصور، ما جعله واحدًا من الأصوات الشعرية التي حاولت الجمع بين أصالة التراث وروح العصر.

الصحافة ودورها في إحياء القومية العربية

آمن اليازجي بدور الصحافة في نشر الوعي وبناء الهوية، فأسس عام 1872 جريدة «النجاح»، التي تحولت إلى منبر فكري دعا من خلاله إلى إحياء القومية العربية، والدفاع عن اللغة بوصفها عنصرًا أساسيًا في تكوين الأمة وحققت الجريدة انتشارًا ملحوظًا، وأسهمت في ترسيخ اسمه كأحد المفكرين المؤثرين في الحياة الثقافية آنذاك.

ترجمة الكتاب المقدس 

كان لتبحره في اللغات السامية، وعلى رأسها العبرية والسريانية، أثر كبير في اختياره من قبل الآباء اليسوعيين للمشاركة في ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية واستغرقت هذه المهمة الشاقة نحو تسع سنوات من العمل المتواصل، أظهر خلالها قدرة لغوية استثنائية، حيث حرص على الجمع بين الدقة في المعنى وسلاسة الأسلوب العربي، ليخرج النص في صيغة راقية ومتماسكة.

التدريس

اتجه اليازجي إلى التدريس، فعمل أستاذًا للغة العربية وآدابها في المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك ببيروت، وأسهم في تكوين أجيال جديدة من الطلاب، كما قدّم شرحًا علميًا لديوان المتنبي، استكمل فيه ما بدأه والده ولم يتمه، فجمع بين الوفاء للتراث والنظر النقدي الذي يفتح آفاقًا جديدة لفهم النصوص الكلاسيكية.

الهجرة إلى مصر

بسبب ضيق المناخ الثقافي في لبنان تجاه أفكاره الحرة، هاجر إبراهيم اليازجي إلى مصر، التي كانت آنذاك مركزًا للحراك الفكري والصحفي، وهناك أصدر مجلة «البيان» عام 1897، ثم مجلة «الضياء» عام 1898، والتي استمرت في الصدور لمدة ثماني سنوات، وكانت منصة لنشر أفكاره الإصلاحية، وترجماته، ودعوته المستمرة إلى تحديث اللغة العربية دون التفريط في أصالتها.

الرحيل

توفي إبراهيم اليازجي في القاهرة في 29 ديسمبر 1906، ونقلت رفاته لاحقًا إلى بيروت حيث دُفن في مقبرة الروم الكاثوليك، وبعد مرور أكثر من قرن على رحيله، ما زالت أفكاره حاضرة، وقد وصفه الكاتب عبده وازن بأنه كان في طليعة الحركة التجديدية التي أعادت للعربية حيويتها وقدرتها على مواكبة العصر.

أبرز مؤلفاته

ومن أبرز مؤلفاته «تحفة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد»، الذي يعد مرجعًا لغويًا مهمًا، إلى جانب ديوانه الشعري «العقد»، ليبقى اسمه علامة بارزة في تاريخ النهضة العربية الحديثة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء