150 عاما على الأهرام.. تاريخ صحيفة رافقت تحولات مصر
تمر اليوم 150 عامًا على تأسيس صحيفة الأهرام، أعرق وأهم الصحف المصرية والعربية، والتي لم تكن مجرد مطبوعة إخبارية، بل تحولت عبر تاريخها الطويل إلى سجل وطني يوثق تحولات الدولة المصرية ويعكس نبض الشارع ووعي المجتمع، فمنذ انطلاقها في القرن التاسع عشر وحتى العصر الرقمي، لعبت الأهرام دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، وصياغة الوعي السياسي والثقافي، ومواكبة الأحداث الكبرى التي مرت بها مصر والمنطقة العربية.
البداية من الإسكندرية
تأسست صحيفة الأهرام في 27 ديسمبر عام 1875 على يد الأخوين بشارة وسليم تقلا، وهما من رواد الصحافة العربية من أصول لبنانية، استقرا في مدينة الإسكندرية التي كانت آنذاك مركزًا ثقافيًا وتجاريًا عالميًا.
وجاء تأسيس الصحيفة في عهد الخديوي إسماعيل، في مرحلة شهدت انفتاحًا فكريًا وإعلاميًا، ما أتاح للأهرام أن تنطلق كصوت جديد يوازن بين نقل الأخبار والاهتمام بالقضايا الاجتماعية والفكرية، لتصبح سريعًا واحدة من أبرز التجارب الصحفية في مصر.
العدد الأول
شهد يوم 5 أغسطس 1876 صدور أول عدد من صحيفة الأهرام، كجريدة أسبوعية تصدر من الإسكندرية، مكونة من أربع صفحات فقط، وبسعر اشتراك بلغ 15 فرنكًا لمدة ستة أشهر، و23 فرنكًا لمدة عام كامل، مع اختلاف الأسعار بحسب أماكن التوزيع خارج مصر، وعلى الرغم من بساطة الشكل والإمكانات، فإن محتوى العدد الأول عكس رؤية واضحة تقوم على المصداقية، والبحث، ونقل الأخبار بدقة، وهو ما جعل الجريدة تحظى بقبول واسع بين القراء في وقت قصير.
الافتتاحية
جاءت افتتاحية العدد الأول لتؤكد التزام الصحيفة بخدمة القارئ واحترام عقله، حيث شددت على أن الأهرام تسعى إلى البحث والتحقق وتقديم الفائدة الصحيحة، متناولة قضايا اجتماعية وأخلاقية إلى جانب أخبار الأسبوع السابق، بحكم صدورها أسبوعيًا آنذاك. كما تناول العدد بعض الحوادث التي شهدتها مدينة الإسكندرية، مع حضور بارز للأخبار الحكومية، في انعكاس لطبيعة المرحلة السياسية آنذاك.

من أسبوعية إلى يومية
لم يمضِ سوى شهرين على صدور الأهرام حتى تحولت من صحيفة أسبوعية إلى جريدة يومية، في خطوة عكست حجم الإقبال عليها واتساع قاعدة قرائها، هذا التحول المبكر شكل نقطة فارقة في تاريخ الصحيفة، إذ رسخ مكانتها كمنبر إخباري رئيسي، وقربها أكثر من الشارع المصري وقضاياه اليومية، لتبدأ مرحلة جديدة من النمو والتأثير.
انتقال المقر إلى القاهرة
في نوفمبر عام 1899، قررت إدارة الأهرام نقل مقرها الرئيسي من الإسكندرية إلى القاهرة، العاصمة السياسية والإدارية لمصر، وهو ما أسهم بشكل كبير في زيادة انتشارها وتأثيرها. ومن القاهرة، توسع توزيع الجريدة ليشمل مختلف أنحاء مصر وبلاد الشام، وأصبحت مرجعًا أساسيًا للقراء وصناع القرار على حد سواء، وفي تلك المرحلة، كانت الأهرام تصدر طبعتين؛ إحداهما يومية من القاهرة، وأخرى أسبوعية من الإسكندرية، قبل أن تستقر لاحقًا في مقرها الحالي بشارع الجلاء عام 1968.

تطور الشكل والمضمون
بدأت الأهرام مسيرتها بأربع صفحات فقط، ثم تطور شكلها التحريري وزاد عدد صفحاتها إلى ست صفحات بعد نحو 33 عامًا من تأسيسها، في دلالة على توسع المحتوى وتنوعه، ومع مرور الزمن، لم تعد الأهرام مجرد جريدة، بل تحولت إلى مؤسسة صحفية كبرى تضم إصدارات متعددة تغطي السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة، إلى جانب المجلات المتخصصة والمنصات الرقمية.
شاهدة على تاريخ مصر الحديث
لعبت الأهرام دورًا محوريًا في توثيق أبرز محطات التاريخ المصري، من الحرب العالمية الأولى عام 1914، إلى ثورة يوليو 1952 وإعلان الجمهورية، مرورًا بتأميم قناة السويس عام 1956 وبناء السد العالي، وصولًا إلى نصر أكتوبر 1973 وعبور قناة السويس، ثم مفاوضات السلام وعودة طابا، وكانت مانشيتات الأهرام في كل مرحلة بمثابة وثيقة تاريخية تحفظ اللحظة وتنقلها للأجيال.