الجبهة الثامنة: قراءة في واقع الصدام التركي الإسرائيلي
منذ بدء عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، أعلنت إسرائيل أنها تحارب على سبع جبهات في وقت واحد، وهي: قطاع غزة، ويُعد الجبهة الرئيسة في القتال، بالإضافة إلى جبهة الإسناد التي تم فتحها في جنوب لبنان ضد حزب الله، فضلًا عن الجبهة الأمنية النشطة في الضفة الغربية، ثم الجبهة السورية التي نشطت عقب سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، مما استدعى تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا في جنوب سوريا واحتلالها لمنطقة جبل الشيخ لفرض منطقة عازلة في الجنوب السوري.
وفي النهاية، فُتحت الجبهة الأخطر والأكثر ضراوة، وهي الجبهة الإيرانية، في 12 يونيو 2025، حيث اندلعت المواجهات المباشرة بين الجانبين، والتي استمرت اثني عشر يومًا، تبادل فيها الطرفان الضربات والغارات؛ فإسرائيل فرضت سيادتها الجوية الكاملة على السماء الإيرانية، مدمرة منشآت البرنامج النووي الإيراني، وفي المقابل تمكنت طهران من رشق المدن الإسرائيلية بالصواريخ الباليستية والفرط صوتية، والتي أثبتت أنها تشكل تهديدًا جذريًا للأمن القومي الإسرائيلي.

وفي النهاية، يتبقى أمامنا سوى جبهتين اعتبرتهما إسرائيل جبهات دعم للجبهات الرئيسة، وهما الجبهة اليمنية والجبهة العراقية، حيث شكلت قوى جماعة "أنصار الله الحوثي" في اليمن عنصرًا داعمًا لإيران وحزب الله وحماس، وكذلك ميليشيات "الحشد الشعبي" التي تُعد داعمًا كاملًا لإيران وحزب الله.
مؤخرًا، برز في الأوساط الثقافية الإسرائيلية الحديث عن وجود جبهة ثامنة يجري تشكيلها حاليًا، وهي الجبهة التركية، التي تحولت علاقتها مع إسرائيل من كونها شريكًا استراتيجيًا إلى عدو محتمل؛ فمنذ إعلان قيام دولة إسرائيل وحتى صعود حزب العدالة والتنمية للحكم في أنقرة عام 2002، كانت تركيا بمثابة حليف استراتيجي قوي لإسرائيل، لكن بعد صعود رجب طيب أردوغان تحولت تلك العلاقات لتشهد تجاذبات شديدة، ومن المحتمل أن يشهد البلدان مواجهة مباشرة أو غير مباشرة خلال الفترة المقبلة.
البعد الخفي في الأزمة التركية الإسرائيلية
لفهم سبب التصادم التركي الإسرائيلي من الناحية السياسية خلال السنوات الماضية، يجب العودة إلى الماضي البعيد، وتحديدًا عشية انهيار الدولة العثمانية عام 1924، فتركيا الحديثة ما زالت متمردة على واقعها الجغرافي الذي فُرض عليها في اتفاقية لوزان عام 1923.

ففي عام 1914 التحقت الإمبراطورية العثمانية بالحرب العظمى الدائرة في ذلك الوقت، واختارت الانحياز إلى الصف الألماني في مواجهة تطلعات روسيا القيصرية والإمبراطورية البريطانية، إلا أن نتائج الحرب وهزيمة القوات الألمانية والتركية فرضت على تركيا التزامات جيوسياسية كبيرة؛ إذ أجبرت القوى المنتصرة تركيا، في اتفاقية لوزان، على التنازل عن مجالها الإقليمي والتراجع إلى الحدود المفروضة حاليًا، والأهم من ذلك حرمانها تقريبًا من المجال البحري، خاصة في بحر إيجه، إذ تنازلت تقريبًا عن معظم الجزر في ذلك البحر لصالح السيادة اليونانية.
لذا تحاول تركيا، منذ التوقيع على "اتفاقية لوزان"، التمرد على واقعها الجغرافي، إلا أنها لم تكن تمتلك الآلية السياسية التي تمكنها من ذلك، وعلى مدار تاريخها منذ عام 1923 وحتى 2002 تحركت أنقرة مرة واحدة للتمرد على حدودها، وكانت في عام 1974 حينما تدخلت في قبرص دعمًا للأقلية القبرصية التركية المتمركزة في المناطق الشمالية، ونتج عن ذلك إعلان قيام دولة قبرص الشمالية التركية، والتي لم تحظَ بأي اعتراف دولي سوى أنقرة فقط.
ساهمت الأيديولوجية السياسية التي تبناها حزب العدالة والتنمية، والمتمثلة في استعادة الإرث الإسلامي الحضاري التركي، في توفير الآلية السياسية اللازمة لتركيا من أجل التمرد على واقعها الجغرافي؛ فتحت غطاء دعم الجماعات الإسلامية الثائرة في سوريا تحركت أنقرة جنوبًا لتوسيع حدودها الجنوبية إلى شمال مدينة حلب، فضلًا عن تزايد اختراقها للمجال العراقي في مدينة الموصل، الأمر الذي أوصل لأنقرة الطمأنينة من ذلك الجانب.

وإزاء تحقيق الرغبات التركية في التمرد على جغرافيتها، لجأت تركيا إلى إبراز دورها في العالم الإسلامي، ولم تجد أفضل من القضية الفلسطينية لتمرير تمديد حدودها الجنوبية باتجاه الأراضي السورية، ومن هنا اندلعت واشتعلت الأزمات الإسرائيلية التركية.
ونتيجة لتلك الأزمات المتكررة بين الطرفين، لجأت تل أبيب إلى اتخاذ سياسات أكثر استفزازية ضد تركيا، مثل تعميق التعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل واليونان، والأهم من ذلك بيع إسرائيل لقبرص نظام الدفاع الجوي "باراك إم كيه" في سبتمبر الماضي، وهو ما يُعد استفزازًا واضحًا لتركيا.
الحدود الإسرائيلية التركية المشتركة
خلال الفترة الممتدة من عام 2010، وهو العام الذي شهد الاعتداء الإسرائيلي على سفينة المساعدات التركية "مرمرة" في البحر المتوسط، وحتى عام 2024، كانت حالة العداء التركي الإسرائيلي في شكل تصريحات إعلامية وتجاذبات سياسية وحرب تجارية ظاهرية، إلا أنه بعد 8 ديسمبر 2024 باتت هناك حدود مشتركة بين الجانبين؛ ففي ذلك اليوم سقط نظام الأسد، وتولى رئيس "هيئة تحرير الشام"، التي رعتها تركيا في مدينة إدلب السورية، مسؤولية الحكم في سوريا، وبالتالي بات حلفاء تركيا على طول خط المواجهة مع إسرائيل، وأنه في حال الاشتباك بين النظام السوري الحالي وإسرائيل، فمن المفترض أن نرى تدخلًا تركيًا في تلك المواجهة، حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة.

فالسياسات الإسرائيلية منذ سقوط الأسد عمدت إلى محاولة استفزاز السلطات الحاكمة حاليًا في سوريا من أجل جرّها إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وتصعيد الجبهة السورية لفرض منطقة عازلة تمتد إلى مدينة دمشق، ويتضح ذلك في احتلال جبل الشيخ، والغارات المستمرة على الجنوب السوري، والعمليات الأمنية في المناطق الجنوبية، فضلًا عن التدخل في محافظة السويداء.
وجدير بالذكر أن الموقف الأمريكي الحالي تجاه النظام السوري بقيادة الشرع ساهم بشدة في تخفيف الأجواء بين سوريا وإسرائيل، كما أن الوساطة الأذربيجانية بين تركيا وإسرائيل، والتي تشكلت بعد انهيار نظام الأسد، ساهمت هي الأخرى في ضبط الأوضاع كثيرًا في جنوب سوريا.
وختامًا:
يبدو ظاهريًا أن الصراع الإسرائيلي التركي مؤهل للاشتعال خلال الفترة القادمة، إلا أن ثمة عوامل أخرى ينبغي أخذها في الحسبان عند مناقشة الأزمات التركية الإسرائيلية، ألا وهي عضوية تركيا في حلف الناتو ووجود قاعدة للحلف بها، وهي قاعدة "إنجرليك الجوية" قرب مدينة أضنة التركية؛ فالناتو والولايات المتحدة لن يسمحا، بأي حال من الأحوال، بوقوع اشتباكات بين الطرفين، فإسرائيل حليف استراتيجي لدول حلف الناتو، وتركيا إحدى دول الحلف.
والأمر الآخر الأكثر أهمية هو استغلال تركيا لموقعها الجغرافي الفريد الرابط بين آسيا وأوروبا، وكونها دولة ممر للتجارة الدولية، خاصة تجارة النفط والغاز؛ فمدينة جيهان التركية على البحر المتوسط تُعد ملتقى لخطوط النفط والغاز القادمة من العراق وأذربيجان ودول آسيا الوسطى، وتُعد إسرائيل من أبرز الدول المستفيدة من تجارة النفط والغاز في ميناء جيهان التركي، وبالتالي لن تغامر تركيا بالتصعيد العسكري مع إسرائيل.
ومن هنا يجب القول إن الكتابات الإسرائيلية المتحدثة عن جبهة ثامنة أمام إسرائيل تنبع في الأساس من أسس غير واقعية، متغذية على مقولات الحرب الإعلامية فقط الدائرة بين الجانبين، ولا توجد أسس متينة يمكن البناء عليها.



