رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليبيا بعد الحداد.. تهديد مشروع توحيد الجيش وتصعيد الانقسام

الفريق أول ركن محمد
الفريق أول ركن "محمد علي الحداد"


في حادث مفجع، تحطمت طائرة الفريق أول ركن "محمد علي الحداد"، رئيس هيئة الأركان العامة الليبي التابعة لحكومة الوحدة الوطنية بقيادة رئيس الوزراء عبدالحميد الدبيبة. وكان الحداد ومرافقوه قد استقلوا طائرة خاصة من طراز "فالكون 50"، والتي تحطمت بالقرب من العاصمة التركية أنقرة في منطقة تدعى "هايمانا"، وذلك بعد دقائق قليلة من إقلاع الطائرة من مطار أسن بوغا، متجهة إلى العاصمة الليبية طرابلس.


تعد السيرة الذاتية للفريق الحداد مثيرة للغاية، إذ جمع بين النقيضين: العامل الثوري والعامل النظامي العسكري. فالحداد من مواليد مدينة مصراتة الليبية، التي كان لها الدور الأبرز في قيادة الثورة الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011، وساهمت في إسقاط القذافي وقتله في مدينة سرت. وعقب انقضاء حكم القذافي، ساهمت مصراتة وميليشياتها في تأسيس المشهد السياسي الحالي في ليبيا.
لم ينفصل الحداد عن المزاج السياسي الشعبي في مدينته، فكان في طليعة القوات والميليشيات المشاركة في الثورة الليبية عام 2011، وكان أيضًا في طليعة القوات التي شاركت في صد عملية "طوفان الكرامة" في عام 2019، حين قامت قوات الجيش الليبي "حكومة طبرق" بالهجوم على مدينة طرابلس ومحاولة توحيد ليبيا عسكريًا في ذلك الوقت. إلا أن ميليشيات مصراتة، وتحديدًا المنطقة العسكرية الوسطى التي كان يرأسها الحداد حينها، تمكنت من صد الهجوم.
رغم الحالة الميليشياوية التي تعاني منها ليبيا عمومًا شرقًا وغربًا، إلا أن الحداد كان له دور بارز خلال السنوات الماضية، وتحديدًا في عام 2020 حين تمت ترقيته ليصبح قائدًا لهيئة الأركان للجيش الليبي. وخلال رئاسته لهيئة الأركان الليبية، برزت موهبة الحداد العسكرية بشكل أوضح، إذ تبنى سياسة استراتيجية تقوم على إنهاء الحالة الميليشياوية في البلاد، وتوحيد الميليشيات وإعادة إدماجها في صفوف الجيش الوطني الليبي. وبناءً على ذلك، شجع الحداد اللقاءات المستمرة بين قادة الجيش الليبي في شرق وغرب البلاد، إذ التقى أكثر من مرة بالفريق أول عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان الجيش الليبي "شرق ليبيا"، لتقريب وجهات النظر والعمل على توحيد الجيش الليبي بعيدًا عن التجاذبات السياسية، وأيضًا لتعزيز مسارات الثقة بين القادة العسكريين في ليبيا.
كانت رؤية الحداد مبنية في الأساس على إنشاء جيش وطني يخدم ليبيا من شرقها إلى غربها بعيدًا عن الانقسامات السياسية، وترك الأمور السياسية لتُحل بين جميع الأطراف وفق قواعد اللعبة السياسية، لكن بعيدًا عن الجيش الوطني الذي له مهمة مقدسة وهي حماية البلاد والمواطنين. وفي إطار حرصه على الحصول على جيش وطني نظامي موحد، وقع الحداد العديد من الاتفاقيات العسكرية مع الدول الأخرى، فمثلًا في عام 2023 وقع مع إيطاليا عقدًا لتدريب القوات الخاصة الليبية.
تداعيات الوفاة الغامضة
لا تزال ملابسات الحادث حتى الآن غامضة، فلم يمض سوى ساعات على الحادث، وما تزال الجهات التركية المختصة تقوم بالتحقيق في ملابسات وظروف سقوط الطائرة، والذي قد يأخذ وقتًا طويلًا. لكن من المؤكد أن ظروف وملابسات وفاة الحداد في ذلك التوقيت تحمل دلالات وتداعيات بالغة الخطورة حول مستقبل ليبيا السياسي والعسكري خلال الفترة المقبلة.
فمنذ اللحظة الأولى، بدأت العديد من السيناريوهات تتضح حول إمكانية وجود شبهة جنائية في الحادث، وأن الحادث من المحتمل أن يكون مدبرًا، وذلك للعديد من الاعتبارات التالية:
تمديد الوجود العسكري التركي: 
جاءت زيارة الحداد إلى أنقرة بعد يوم واحد من موافقة البرلمان التركي على تمديد بقاء قواته العسكرية في ليبيا لمدة عامين إضافيين، وذلك بعد مذكرة قدمها الرئيس التركي إلى البرلمان، وجاءت الموافقة بالأغلبية التامة.
ويعود الوجود العسكري التركي في ليبيا إلى عام 2019، حين وقعت حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج مع تركيا مذكرتين؛ أحدهما متعلقة بترسيم الحدود البحرية، والأخرى مذكرة أمنية متعلقة بإرسال قوات عسكرية تركية إلى قاعدة الوطية في غرب البلاد. وساهم الوجود العسكري التركي في إحداث انقسام حاد في البلاد ما بين مؤيد للوجود العسكري ورافض له. ولاحقًا، نشرت العديد من الحسابات الليبية، قبيل زيارة الحداد لأنقرة، موقفه الرافض لاستمرار وجود القوات التركية في ليبيا، ولعل وجوده في تركيا في ذلك التوقيت كان من أجل مناقشة مستقبل الوجود التركي في بلاده.
وجدير بالذكر أن الوجود العسكري التركي في ليبيا لا غنى عنه بالنسبة لأنقرة، فهو يأتي كالحامي والحارس لاتفاقية تقسيم الحدود البحرية بين الجانبين، والذي يسمح لتركيا فعليًا بالسيطرة على المزيد من أحواض الغاز في شرق المتوسط. ولاحقًا حاولت اليونان إبطال الاتفاقية التركية الليبية، إلا أنها لم تحرز تقدّمًا حتى الآن، لذا فالوجود العسكري التركي في ليبيا يعد بمثابة الخط الأول للدفاع عن الأمن القومي التركي في منطقة شرق البحر المتوسط.
الاستفادة من حالة الانقسام: 
يمثل مشروع الحداد الوطني في توحيد الجيش الليبي وإعادة بناء قدراته العسكرية تهديدًا واضحًا للمستفيدين من الحالة الانقسامية سواء في الشرق أو الغرب. فكل معسكر تقريبًا نجح في السيطرة على الموارد الهامة للدولة مثل حقول النفط والغاز وخلافه، لذا فالطغمة الانقسامية الحاكمة حاليًا في ليبيا من شأنها إفشال مشروع الحداد بتوحيد ليبيا.
التلاعب التركي: 
بالإضافة إلى ما أُشير إليه حول ترديد حسابات ليبية مفيدة برفض الحداد الواضح لتمديد الوجود العسكري التركي في ليبيا، نجد أن تركيا بعد تواجدها في غرب ليبيا بدأت تعمل على مد جسور التعاون مع القادة المؤثرين في شرق ليبيا. ففي يوليو 2024، استقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، وخلال ذلك الاجتماع تم تناول مسألة مشاركة الشركات التركية في عملية إعادة الإعمار في شرق ليبيا.
ولم تتوقف العلاقات بين الجانبين؛ ففي الفترة الممتدة منذ نهاية 2024 وحتى نهاية 2025 قام صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الليبي، بزيارة تركيا ثلاث مرات، آخرها كان في نوفمبر الماضي. وهذا يعني أن تركيا نجحت في تجاوز الخلافات الليبية-الليبية وبدأت في الانفتاح على الجانبين، مستفيدة من حالة الانقسام الوطني، فهي تدعم الغرب عسكريًا وتتقرب اقتصاديا من الشرق.
لم تكن المرة الأولى: 
سبق أن تعرض الحداد، حين كان يشغل آمر المنطقة الوسطى العسكرية، لمحاولة اختطاف واغتيال. ففي سبتمبر 2018، وحين كانت العاصمة الليبية طرابلس تتعرض لحالة انفلات أمني على خلفية هجوم اللواء صلاح بادي على معسكرات جنوب طرابلس، طلب رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج من قائد المنطقة الوسطى محمد الحداد مشاركة قواته في حماية طرابلس. إلا أن العديد من القوى في مصراتة رفضت الانصياع إلى قرارات الحداد والسراج، مما أدى إلى اختطاف الحداد في أول سبتمبر 2018 من قبل ميليشيات مصراتة، وتم الإفراج عنه بعد يوم واحد فقط. لذا يمكن القول إن الواقع الميليشيوي في ليبيا كان أثقل من طموحات الحداد، وبالتالي فإن وفاته تعد انتصارًا لأنصار الميليشياوية والانقسام السياسي في البلاد.
ختامًا:
تبدو الصورة الآن أكثر ضبابية في ليبيا، فمن المحتمل أن يكون مشروع الحداد الوطني لتوحيد البلاد شرقًا وغربًا قد ذهب أدراج الرياح بعد وفاته. وتذكرنا وفاة الحداد بوفاة جون جارنج، النائب الأول الأسبق للرئيس السوداني ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، الذي نجح في توقيع اتفاق مشاكوس عام 2002، والذي أنهى عقودًا طويلة من الصراع في جنوب السودان. وتولى منصب النائب الأول للرئيس في 9 يوليو 2005، ولم يستمر في منصبه سوى عشرين يومًا حتى قُتل في حادث طائرة مشابه لحادث الحداد في 30 يوليو 2005، ولعل ما يفسر الروايات القائلة بأن موت جارنج كان مدبرًا هو موقفه من وحدة السودان شمالًا وجنوبًا، عكس موقف قيادات الحركة ونائبة سيلفا كير ميرياديت، الداعين وقتها لانفصال جنوب السودان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء