رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الجيزاوي: أخاف ألا يمتد بي العمر لاستكمال رواية بدأتها|حوار

الروائي خليل الجيزاوي
الروائي خليل الجيزاوي

-أحب المقطوعات الموسيقية الهادئة والاستماع لأم كلثوم وفيروز وعبد الحليم

-الليل فترة صفائي الذهني، وبطبيعتي كائن ليلي

-الوطن حصن الأمان وتجسيد معنى العزة والكرامة

-رائحة الخبز الطالع من حلق الفرن ساخنًا تُعيدني للبيت الأول

-لو لم أكن كاتبًا لوددت أن أكون مهندسًا زراعيًا

-فكرة الموت تتردد كثيرًا في قصصي ورواياتي

الصمت أكثر من لغة؛ وهو التأمل الجاد لمحاولة لطرح الأفكار

 

يُعد الكاتب الروائي خليل الجيزاوي، أحد الأصوات المتميزة في كتابة القصة القصيرة والرواية في مصر والوطن العربي بشهادة دكتور مدحت الجيار أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بآداب الزقازيق، في تقديم روايته الخامسة سيرة بني صالح، أصدر الكاتب خليل الجيزاوي عشر روايات وأربع مجموعات قصصية وكتابان في النقد الأدبي، وفاز خلال الفترة الأخيرة بجائزة مسابقة إحسان عبد القدوس للرواية يناير 2019 عن مخطوط روايته أيام بغداد، وصدرت عن دار المعارف للنشر بالقاهرة عام 2020، حول مشروعه الروائي كان لنا هذا الحوار الخاص مع “إيجبتك”، لنقترب من عوالمه الشخصية:

هل الجوائز تصنع كاتبًا؟ أم كتاباته هي من تصنعها له؟ 

الجوائز الأدبية لا تصنع كاتبًا، بل الكاتب المبدع المتميز هو الذي تسعى الجائزة إليه، إذا كان لديه مشروع حقيقي للكتابة، والمتأمل للكثير من جوائز نادي القصة بالقاهرة ومسابقات القصة والرواية الموجهة للشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، تجد أن هذه الجوائز يفوز بها الكثير من الأدباء والشعراء؛ لكن القليل من الأسماء من يستمر، والكثير منهم يختفي ويتوارى مع احتياجات الحياة الطبيعية، وكما يعرف الجميع الكتابة الأدبية لا تدر دخلا أو تقيم حياة لأي كاتب؛ ولهذا تمسك عميد الرواية العربية نجيب محفوظ بالوظيفة لمدة 36 سنة؛ لأنه اعتمد على مرتب الوظيفة طيلة حياته. 

وهل الجوائز معناها جودة العمل الفائز أم أنّها تُعبّر عن وجهات نظر ذائقة لجان التحكيم؟

الجوائز الأدبية لها معايير مختلفة، قد يكون منها جودة العمل، وقد يكون منها جغرافية وبلد الكاتب ـــ إذا كانت جائزة عربية ـــــ ونعرف من كواليس لجان التحكيم بعد قراءة الأسماء التي وصلت للقائمة الطويلة ونسمع من يقول: الكاتب المصري فلان لن يحصل عليها هذا العام؛ لأن هناك كاتب مصري فاز بالجائزة العام الماضي، فهذا معيار جائر لا يُعبّر عن طبيعة المنافسة بين المتسابقين، وكأن الجائزة لا بد أن يحصل عليها اسم البلد العربي لا اسم المتسابق الذي يستحقها، ومنها أيضًا معيار ذائقة عضو لجنة التحكيم، على سبيل المثال، إذا كان هناك ديوان شعر من الشعر العمودي وعضو التحكيم ضد الشعر العمودي فلن يفوز هذا الديوان، وكذلك إذا كان هناك ديوان شعر قصيدة النثر، والناقد عضو لجنة التحكيم ضد قصيدة النثر؛ فبالتالي لن يفوز ديوان قصيدة النثر في وجود هذا الناقد المحكم.

ما الطقس الإبداعي الذي لا تتخلى عنه عند الكتابة؟

طقس القراءة، فالقراءة عندي تسبق الكتابة الأدبية، وأقرأ أضعاف ما أكتب، والحمد لله عندي مكتبة ضخمة معظمها روايات عالمية مترجمة وروايات عربية ومجموعات قصصية ودواوين الشعر وكتب النقد الأدبي، والكثير من كتب الأدب الشعبي، وكذلك كتب الدراسات الاجتماعية، بجانب الكثير من أمهات الكتب التي لا غنى عنها في أي مكتبة.

كيف تختار مكان الكتابة المثالي؟ وهل للإضاءة أو نوع المقاعد أثر في وعيك الإبداعي؟

أكتب في أي مكان إذا جاءتني فكرة فأقوم بتسجيلها، وأحرص على وجود كراسة أو نوتة ورقية بجانب جلستي بالأنتريه لأسجل بعض الملاحظات والخواطر أو الأفكار التي يمكن تطويرها؛ لتصبح مشروع رواية؛ لكنني أكتب على مكتبي الخاص، وقديمًا كنت لا أزال أكتب بالقلم الرصاص على ورق مسطر؛ لكن منذ خمس سنوات بدأت أتدرب على الكتابة مباشرة على جهاز الكمبيوتر الخاص بي أو جهاز اللاب توب، وإن كنت أفضل جهاز الكمبيوتر؛ لأنني أستخدم شاشة كبيرة حتى لا أجهد العين، وأفضل المقعد المريح؛ لأنني أجلس من خمس إلى سبع ساعات يوميًا للقراءة والكتابة.

ما دور الموسيقى في تشكيل حالتك الذهنية أثناء الكتابة؟

بالطبع أحب أسمع المقطوعات الموسيقية الهادئة وأشغلها من جهاز الكمبيوتر وأجعل سماع الموسيقى كلوحة خلفية للقراءة والكتابة، وأسمع أغناني سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وفيروز، ونجاة، وعبد الحليم حافظ، وكاظم الساهر.

هل تؤمن بوجود وقت معيّن يكون الإبداع فيه أكثر صفاءً؟

نعم أفضل الليل في القراءة والكتابة الأدبية، وأنا بطبعي كائن ليلي، وأشد فترة للصفاء الذهني من الساعة الواحدة صباحًا وحتى الخامسة فجرًا، هذه الفترة يكون البيت هادئًا، وذهني صافيًا، وربما أكون أنا الوحيد الذي يسهر في البيت.

كيف ينعكس المكان على مزاجك وطاقتك الداخلية؟

بالطبع المكان مهم جدًا للكاتب، ولقد غيرّت مكان إقامتي داخل القاهرة ثلاث مرات خلال عشر سنوات، حتى وجدت شقة تناسبني في جزيرة منيل الروضة التي تتميز بالهدوء التام، وفي هذا المكان وجدت نفسي قارئًا وكاتبًا.

ما الأشياء التي تُلهمك وتدفعك للاستمرار في الكتابة؟

عندي مشروع للكتابة الروائية أعكف عليه منذ عدة سنوات، وربما عطلني العمل الإداري كثيرًا عن استكمال هذا المشروع، فلقد عملت بوزارة الثقافة بالمجلس الأعلى للثقافة أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وتدرجت بوظائف القيادات الثقافية من مدير إدارة النشر، ثم مديرًا عامًا للشئون الأدبية والمسابقات بالمجلس الأعلى للثقافة بقرار وزاري، ثم وكيل وزارة الثقافة ... رئيس الإدارة المركزية للشئون الأدبية والمسابقات بالمجلس الأعلى للثقافة بقرار وزاري، وكنت وكيل الوزارة المسئول عن منح تفرغ الأدباء والفنانين التشكيليين لعدة سنوات، والحمد لله تفرغت خلال السنوات الأخيرة للقراءة واستكمال كتابة مشروعي الروائي.

ما المخاوف التي تتسلل إلى روحك أحيانًا؟

عندما أبدأ في كتابة رواية جديدة أخاف إلا يمتد بي العمر حتى أكملها، وأظلّ أدعو الله عز وجل أن يمنحني الصحة والعافية وطول العمر حتى استكمال الرواية التي أكتبها.

كيف ترى مفهوم الوطن؟

الوطن حصن الأمان الذي يطمئن فيه المواطن على أهل بيته وأولاده، الوطن تجسيد لمعنى الكرامة والعزة، أن تعيش وأنت متأكد أنك تمتلك هذا البلد، بعكس الحالة التي أشعر بها عندما أسافر للدول العربية، أشعر أنني غريب عن هذا البلد، ولابد للغريب أن يرجع ويعود إلى حضن الوطن، الوطن هو الأرض التي تضمّ رفات وعظام الأجداد والآباء، وسيضم رفاتي إن شاء الله بجوار الأحبة الراحلين متى يحين قضاء الله وقدره.

ماذا تعني لك الطفولة؟ وهل ما زال شيء منها يسكن كتابتك؟

سنوات الطفولة بالنسبة لي كنزي الذي أفتخر أنني أملكه، سنوات الطفولة نهر يفيض بالذكريات والأحداث التي أغترف منها وأتميز بها عندما أكتب عن سنوات الطفولة المبكرة، سنوات حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية وسيدنا الشيخ على نوفل، سنوات الطفولة لا تزال تسكنني وظهرت في الكثير من كتاباتي القصصية: مثلا كتبت قصة قصيرة بعنوان: الشيخ على نوفل، نُشرت بمجلة الدوحة القطرية.

ماذا يمثل لك الصمت؟

الصمت عندي أكثر من لغة، هو التأمل الجاد، ومحاولة لطرح الأفكار وتقليبها في رأسي حتى تختمر، ويمكن أن تراني أسير في الشارع مفتوح العينين؛ لكنني لا أرى الناس الذين يمرون بجواري، وكثيرًا ما اشتكت ابنتي أنها قابلتني وسط الشارع، وتقسم أنني نظرت إليها؛ لكنني أكملت السير دون أن أتوقف لها أو أتكلم معها كلمة واحدة.

 كيف تتعامل مع فكرة الموت في نصوصك وحياتك؟

فكرة الموت تسيطر كثيرًا على أحداث قصصي ورواياتي، ومفردة الموت تتردّد كثيرًا في قصصي ورواياتي، وتدور فكرة رواية البومة السوداء حول سردية فكرة الموت، الأمر الذي لفت الكثير من النقاد حول صورة الموت.

ما مكانة الروحانيات واليقين الإلهي في مسارك الإبداعي؟

خلال سنوات الطفولة كنت أحضر مع والدي رحمه الله مولد السيد البدوي كل عام في مدينة طنطا القريب من قريتنا، الأمر الذي جعلني قريبًا من هذا العالم الصوفي الممتلئ بالروحانيات والاشتراك في حلقات الذكر مع الطريقة الرفاعية، وعندما حضرت للقاهرة حرصت أن أسكن في حيّ السيدة زينب رضي الله عنها، وحتى اليوم أتردّد على زيارة مسجد السيدة زينب ومسجد السيدة نفسية، وأحرص على زيارة مسجد السيد أحمد البدوي كلما زرت قريتي، هذا العالم الروحاني ظهر كثيرًا في كتاباتي الأدبية خاصة رواية عتبات السلطات التي تدور معظم أحداثها بمسجد الحنفي الملقب بالسلطان محمد الحنفي بحيّ السيدة زينب. 

هل للأكل "المزاجي" أثر على تركيزك أو حالتك الشعرية؟

على العكس تمامًا، فطبيعة جسمي الاسترخاء والنوم بعد الأكل؛ ولهذا لا أتناول طعام العشاء أبدًا حتى لا أنام، وأستطيع أن أجلس على مكتبي للقراءة والكتابة، وعندما تصيبني حالة تعكر مزاجي أتناول وجبة لتدفعني للنوم الطويل.

ما أول صوت يطرق أذنك حين تستيقظ صباحًا؟

كان بيتنا في القرية يُطلّ على ترعة كبيرة، والترعة فرع من أفرع نهر النيل، وتكثر زراعة الأشجار حول الترعة، والعصافير تسكن أفرع الأشجار، فكنتُ أصحو كل يوم على صوت زقزقة العصافير التي تصحو مع أول ضوء للنهار، وتعلمتُ المثل الشعبي من والدي رحمه الله خاصة أيام سنوات الدراسة بالمدرسة الابتدائية، والمثل يقول: نم مبكرًا واستيقظ مع العصافير، الآن تُطلّ شقتي بمنيل الروضة على مدرسة ثانوية للبنات، وحول سور المدرسة توجد أشجار، وتسكن أفرع الأشجار الكثير من العصافير، وشاهدت يمامة تتردّد على بلكونة شقتي كل صباح؛ فحرصت أن أضع لها حبّات الأرز والمياه، وبالصباح أسمع صوتها الذي يُذكرني بسنوات الطفولة المبكرة التي عشتها في قريتنا الحبيبة.

أي رائحة تعيدك إلى البيت الأول؟

رائحة الخبز الطالع من حلق الفرن ساخنًا، على الفور أستعيد صورة أمي وجدتي ثم أخواتي البنات وهن يجلسن أمام الفرن البلدي يوم الخبيز الأسبوعي الذي كان له طقوسًا سعيدة خلال سنوات الطفولة، كانت أمي تصنع لي رغيفًا محشوًا بالسكر، كنوع من التصبيرة حتى ينتهوا من يوم الخبيز الطويل، ثم يجهزون طواجن الأرز المعمر وصينية البطاطس في الفرن أو يصنعون الفطير بعد الانتهاء من يوم الخبيز.

ما الأكلة التي تُشعرك بأنك ما زلتِ في مصر مهما ابتعدت؟

طبق الملوخية الخضراء، وطشة التقلية، ويجاور طبق الملوخية رغيفًا من عيش البتاو؛ لنقطع من الرغيف لقمة على شكل ودن القطة، ونغمسها في طبق الملوخية، ويكون ممتازًا عندما يُجاوره ورك أرنب مُحمّر بالسمن البلدي.

ما الكتاب غير الأدبي أو غير الثقافي الذي ترك فيك أثرًا لا يُنسى؟

بالتأكيد القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأحرص على قراءته كثيرًا خاصة خلال أيام شهر رمضان المعظم في مسجد عمرو بن العاص القريب من بيتي، والذي أحرص على صلاة الجمعة به.

لو لم تكن كاتبًا وناقدًا كبيرًا أو شاعرًا، أي مهنة كنت ستختار؟

كنت سأختار أن أكون مهندسًا زراعيًا، ولا أزال حتى اليوم أحلم أن يكون عندي مزرعة صغيرة حتى لو مساحتها فدان واحد؛ لأقوم بزراعة أنواع الخضر من ملوخية وبامية وفاصوليا خضراء وأزرع أشجار الفاكهة خاصة أشجار المانجو والبرتقال، وبالمزرعة أقوم بتربية الطيور من الفراخ والبط، وأعمل حوضًا على أرض المزرعة لتربية الأسماك.

من الشخصية التاريخية التي تتمنى الجلوس معها على فنجان قهوة؟

أحبّ الكثير من الشخصيات التاريخية التي أجلس معهم مجلس التلميذ من الأستاذ، مثل: صلاح الدين الأيوبي، جمال عبد الناصر، دكتور طه حسين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء