إبراهيم التوني: الهجوم على محمد صبحي غير مبرر | حوار
- حرية الإبداع لا تعني الإهانة
- العمل الفني يُقيم بالقيمة الفنية لا بالأخلاق الشخصية
- تصوير أم كلثوم بخيلة ومدخنة يعكس فقر الكاتب
في خضم الجدل الذي أثاره فيلم «الست» حول السيرة الشخصية لأم كلثوم، وحول التعامل مع الرموز الثقافية المصرية، تحدث الشاعر إبراهيم التوني في حوار خاص لـ«إيجبتك» عن عدة نقاط مهمة.
ناقش التوني حرية الإبداع وضرورة التعامل مع الشخصيات التاريخية والفنية بوعي، مشيرًا إلى أن حياة الشخصية الخاصة ليست سببًا للتجريم، وأن الحكم على الأعمال الفنية يجب أن يكون فنيًا بعيدًا عن الانفعالات.
كما تناول النقاش قضايا اختيار الكاتب والممثل، وأهمية التركيز على الجوهر الفني للقيمة التاريخية للشخصيات، بدلًا من الوقوف عند التفاصيل الشخصية.. وبسؤاله:
كيف تقيم الجدل الأخير حول فيلم «الست» وما أُثير عن الإساءة لرموز الثقافة المصرية؟
المسألة في رأيي تنقسم إلى جزأين: الجزء الأول خاص بالفيلم نفسه، وأنا لم أشاهده حتى الآن، لكني أرى أن هناك دائمًا دعوات لحرية الإبداع، والمفترض أن تكون هذه الدعوات حقيقية وليست مجرد شعارات.
نحن نتحدث عن رؤية إبداعية تخص شخصية ليست عادية، بل شخصية مصرية كبيرة، ومع ذلك ظهرت فكرة التعامل مع الرموز بنوع من القدسية المبالغ فيها، رغم أنهم في النهاية بشر طبيعيون، لديهم هفواتهم وسقطاتهم وحياتهم الشخصية.
هل تقصد أن الحياة الشخصية لا يجب أن تكون محل تجريم؟
بالضبط.. ما الجُرم في أن تكون هذه الشخصية تدخن أو لا تدخن؟ ما الذي يعنيه ذلك؟ إذا كانت هذه التفاصيل قد وُظفت في لحظة ما لخدمة تفسير فني أو رؤية إبداعية، فنحن أمام مسألة تتعلق بحرية الإبداع والإيمان بها. إذا كان هناك طرح ما، فمن حقنا أن نناقشه، لا أن نُجرّمه من الأساس.
ها ترى أن الكاتب كان مؤهلاً للتعامل مع رمز بحجم أم كلثوم؟
أنا شخصيًا لا يستهويني أحمد مراد كروائي، وأراه كاتبًا ضعيفًا بالفعل، ولا أعتقد أنه الكاتب الضخم القادر على التعامل مع رمز بحجم أم كلثوم ومع ذلك، لا أريد أن أظلم فكرة الرؤية أو حرية الرؤية، طالما أن التناول لا يُسيء للشخصية أو يحملها ما ليس فيها. إذا كانت هناك إسقاطات أو إشارات معينة، فيجب مناقشتها فنيًا.
ماذا عن الهجوم الذي تعرض له الفنان محمد صبحي؟
الهجوم على محمد صبحي غير مبرر.. هو فنان كبير، وقيمة ورمز مهم في الواقع المصري، وله دور إيجابي لا يمكن الاختلاف عليه، ما يحدث هو أننا أصبحنا نتعامل مع كل شيء في واقعنا باستخفاف، ونخوض معارك مع رموز الثقافة بشكل غير حقيقي وغير صحي، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعتمد على أداء خفيف وسريع، لكنه مؤذٍ في النهاية.
هل ترى في الأمر نوعًا من التربص بمصر أو بمثقفيها وتشويه صورتها ورموزها؟
لو افترضنا جدلًا أن النظرة المؤامرة صحيحة، فدعيني أطرح سؤالًا: هل الآخر لا يُعرّي رموزه أو مفكريه أو شخصياته المؤثرة؟ هل لا يُقدمهم بكل ما لهم وما عليهم؟ في كثير من الأعمال العالمية، تُعرض الشخصيات بتفاصيلها الإنسانية كاملة فما الذي يُسيء في أن نرى تفصيلة حياتية أو شخصية؟
هل تناول الفيلم جرح قيمة أم كلثوم التاريخية والفنية؟
هذا هو السؤال الحقيقي، هل جرح التناول قيمة هذا الصوت؟ هذا الصوت الذي كان صوت شعب كامل، وصوتًا وطنيًا حاضرًا حتى في لحظات الحرب، إذا كان التناول قد مسّ هذه القيمة، فهنا تكمن المشكلة، أما لماذا لم يركز العمل على إنجازاتها الفنية، فهذا سؤال مشروع. لماذا نذهب إلى حياتها الشخصية؟ ما أهميتها مقارنة بقيمة صوتها لدى المصريين؟
وهل ترى أن ذلك نابع من فقر في الكتابة؟
نعم، هذا يعكس فقر الكاتب، مصر تمتلك كتاب رواية وسيناريو كبارًا وقيمًا ثقيلة جدًا، وكان الأجدر اختيار كاتب قادر على نسج ملحمة بحجم أم كلثوم. المشكلة ليست في الإنتاج أو النقد، بل فيمن كتب الفكرة ومن كتب السيناريو.
إذن المسؤولية تقع على الكاتب بالأساس؟
بالتأكيد أحمد مراد هو نتاج للسوشيال ميديا والإعلام، وقيمته إعلامية أكثر منها فنية هناك أسماء كثيرة كانت مؤهلة لكتابة عمل عن هذه الشخصية، لكن الاختيار وقع على كاتب ضعيف، وهذا الضعف انعكس على الزاوية التي تناول منها الشخصية.
ما القيمة التي كان يجب التركيز عليها في رأيك؟
القيمة الأساسية لأم كلثوم هي صوتها، ودورها الوطني، وتأثيرها في وجدان أجيال كاملة؛ حياتها الشخصية مسألة هامشية جدًا، ولا تمثل جوهر تكوينها لدى المصريين، الجديد الذي كان يجب تقديمه هو معالجة فنية حقيقية، حتى لو تناولت السيرة الذاتية، لكن بعمق وصدق درامي.
الجدل بدأ قبل عرض الفيلم.. هل كان محور الجدل من البداية بسبب اختيار الممثلة ؟
صحيح الخلاف كان سابقًا على الفيلم نفسه، بسبب اختيار الكاتب، وبسبب اختيار الممثلة أيضًا، حيث رأى كثيرون ضرورة أن يكون هناك شبه شكلي على الأقل، هذا الخلاف الفني كان موجودًا قبل أن يُعرض الفيلم، وجاءت رواية الفيلم الضعيفة لتؤكد هذه المخاوف.
هل يمكن تجاوز الأخطاء في عمل يتناول رمزًا وطنيًا؟
لا يمكن نحن نتعامل مع قيمة تُصدر باسم الشعب المصري، أي خطأ في السيرة الذاتية أو الفنية لا يمكن التغاضي عنه، الخلاف ليس حول الإهانة أو التآمر، بل حول نقص فني وعجز إبداعي.
هناك من يرى أن ما حدث حملة دعائية أيضًا؟
نعم، هناك جزء دعائي فيما حدث، خاصة مع تصاعد الجدل على السوشيال ميديا، الفيلم حقق إيرادات مرتفعة، لكن اللعبة في حد ذاتها لعبة سخيفة، موقف محمد صبحي في الدفاع كان سليمًا، لكن كنت أتمنى مساحة أوسع للنقاش الفني بدل إطلاق الأحكام.
ما الذي كنت تتمنى حدوثه؟
كنت أتمنى أن تعود المسألة إلى منطق النقاش والحوار حول الفيلم والمادة الفنية نفسها. بدلًا من سلسلة الإهانات المتبادلة، كان يجب تحليل العمل فنيًا، وطرح الأخطاء بوعي، ما حدث أن الجميع تحدث، والفيلم نفسه غاب عن النقاش.
هل يجب تقييم العمل الفني بناءً على قيمته الفنية فقط دون الالتفات إلى حياة الشخصية؟
الحكم على الأعمال الفنية يجب أن يكون فنيًا، لا انفعاليًا، الفصل بين المبدع وحياته الشخصية أمر ضروري. الإبداع لا يُقاس بالأخلاق الشخصية، بل بالقيمة الفنية، ما نحتاجه هو نقاش ناضج يحترم الرمز، ويحترم في الوقت نفسه حرية الإبداع.