هويدا صالح من مناقشة "صوت الحضارة الخفي": الرواية الشكل الأصدق للتاريخ|خاص
نظم مركز «سيا» الثقافي، مساء اليوم الأربعاء، ندوة ثقافية لمناقشة كتاب «صوت الحضارة الخفي» الصادر عن دار أطياف للنشر والتوزيع، وذلك بحضور مؤلفتيه الكاتبة والباحثة في التراث الشعبي صفاء عبد المنعم،والكاتبة والروائية والناقدة الدكتورة هويدا صالح، وسط حضور لافت من المثقفين والكتّاب والمهتمين بالدراسات الحضارية والأدب المصري القديم.
وجاءت الندوة متزامنة مع حفل توقيع الكتاب، الذي أُقيم في تمام الساعة السادسة مساءً بمقر مركز «سيا» الثقافي، في أجواء اتسمت بالحوار العميق والنقاش المفتوح حول جذور الحضارة المصرية، وأصواتها المنسية، وتجلياتها في الأدب والتراث الشعبي.
الأدب مرآة صادقة للحياة اليومية
أدار الندوة الكاتب والباحث في الأدب المصري القديم محمود أنور، الذي استهل حديثه بالتأكيد على أهمية هذا الكتاب، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات عن الحضارة المصرية القديمة ركزت تاريخيًا على حياة الملوك والنخب والطقوس المثالية، بينما يأتي «صوت الحضارة الخفي» ليقدّم زاوية مختلفة، ترصد حياة الإنسان المصري العادي في فترات تاريخية متعددة.
وأشار أنور إلى أن الكتاب يمنح القارئ صورة صادقة وحقيقية عن تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم: كيف عاش، وكيف فكر، وكيف عبّر عن نفسه، وكيف تعامل مع مفاهيم العدالة والعمل والحب والأسرة.
وأشاد بالمجهود الكبير المبذول في الكتاب، خاصة في تنوع تقسيماته، وتعدد زوايا المعالجة، وقدرته على الربط بين النصوص الأدبية القديمة والسياق الاجتماعي والثقافي الذي كُتبت فيه.
وأكد على أن الأدب المصري القديم يمثل مرآة شفافة للحياة المصرية، وأن النصوص التي كتبها الناس العاديون، لا الرسمية، هي الأكثر قدرة على كشف الحقيقة الإنسانية، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو السلطوي.
هويدا صالح: الرواية هي التاريخ الحقيقي للشعوب
وفي كلمتها، خلال الندوة أكدت الكاتبة والروائية والناقدة الدكتورة هويدا صالح أن الرواية، بمعناها الواسع، هي الشكل الأصدق للتاريخ، لأنها تنقل صوت الناس وحياتهم اليومية، لا مجرد سرد وقائع رسمية. وأوضحت أن التاريخ غالبًا ما يكتبه المنتصرون، بينما تظل حياة البشر العاديين، بمشكلاتهم وأحلامهم وأفراحهم الصغيرة، غائبة عن السرد الرسمي.
وأضافت أن فكرة الكتاب نشأت من إيمان عميق بأهمية العودة إلى النصوص الأدبية التي كتبها المصريون القدماء بأنفسهم، لا تلك التي دوّنها الكهنة أو السلطة، مشيرة إلى أن هذه النصوص تكشف عن مجتمع نابض بالحياة، مليء بالتناقضات الإنسانية، وقادر على التعبير عن ذاته بصدق ووعي.
وتطرقت إلى نشأة مشروع الكتاب، الذي كان في الأصل جزءًا من فكرة أوسع لسلسلة تتناول الحضارة المصرية من زوايا متعددة، حيث جرى الاتفاق على تقسيم العمل بين أكثر من كاتبة، بحيث تتناول كل واحدة جانبًا مختلفًا: السرديات والقصص، والملامح الشعبية، وصفات المجتمع، والوجدان الجمعي.
وأوضحت أن المشروع مرّ بتحديات إنسانية صعبة، خاصة بعد رحيل إحدى المشاركات في منتصف العمل، ما شكّل دافعًا إضافيًا لاستكمال الكتاب وفاءً للفكرة النبيلة التي انطلقت منها، وإيمانًا بأهمية ما يحمله من رسالة ثقافية.
التراث الشعبي امتداد حي للحضارة
من جانبها، تحدثت الكاتبة والباحثة في التراث الشعبي صفاء عبد المنعم، عن الجزء الخاص بالثقافة الشعبية والألعاب والطقوس القديمة، مؤكدة أن كثيرًا مما نعتبره اليوم ممارسات شعبية حديثة هو في الحقيقة امتداد مباشر لممارسات تعود إلى آلاف السنين.
وأشارت عبد المنعم، إلى كتابها السابق حول أغاني وألعاب الطفل، الصادر عام 1984، موضحة أنه عند مقارنته بما ورد في النصوص المصرية القديمة، نجد تطابقًا مذهلًا في شكل الألعاب، وقواعدها، وأغانيها، وحتى المفردات المستخدمة فيها.
واستعرضت نماذج من الألعاب الشعبية القديمة التي تعتمد على الحواس، مثل حاسة اللمس، وكيف كان الطفل يتعرف على المكان والبيت من خلال الجدار أو الملمس، وهي ألعاب تحمل أبعادًا تربوية ونفسية عميقة.
وأكدت على أن الألعاب الشعبية لم تكن مجرد لهو، بل وسيلة لبناء الذاكرة الجمعية، وتعليم الطفل مفاهيم الانتماء، والمكان، والجماعة، والاعتماد على الذات. كما تحدثت عن الطقوس الاحتفالية القديمة، مثل مواسم الحصاد والاحتفال بالنيل، موضحة أن المصريين القدماء كانوا يحتفلون بالحياة عبر الغناء، والمراكب، والطعام، والعمل الجماعي، في مشهد يعكس تقديسهم للطبيعة والإنسان معًا.





