رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحطم طائرة الفريق محمد الحداد: عطل فني أم قرار بالتصفية؟

 الفريق محمد الحداد،
الفريق محمد الحداد، رئيس أركان الجيش الليبي- أرشيفية

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، ظلّ مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية هو الحلقة الأضعف والأكثر استهدافًا ضمن المسارات السياسية والأمنية. ففي الوقت الذي نجح فيه الاتفاق في تجميد خطوط التماس، أخفق في تفكيك بنية الانقسام العميق بين الشرق والغرب، في ظل انتشار العديد من الميليشيات المسلحة.

وقد برزت أدوارًا لشخصيات عسكرية ذات طابع تفاوضي، على رأسها الفريق أول ركن محمد الحداد، رئيس أركان الجيش الليبي، الذي تحطمت طائرته فوق أنقرة بعد زيارة له إلى تركيا، برفقة رئيس أركان القوات البرية، الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري في الحكومة العميد محمود القطيوي، ومستشار رئيس الأركان العامة للجيش محمد دياب، والمصور بمكتب إعلام رئيس الأركان العامة في الحكومة محمد محجوب.

تحطم طائرة الحداد أثناء زيارة رسمية إلى تركيا، يثير موجة من التساؤلات والتحليلات السياسية والأمنية حول ما إذا كان السبب مجرد عطل فني، أم أنه يمثل عملية تصفية ممنهجة لإجهاض مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

الحداد خلال مشاروات مع الجانب العسكري التركي - أرشيفية
الحداد خلال مشاروات مع الجانب العسكري التركي - أرشيفية

يُعتبر الحداد أحد أبرز الشخصيات العسكرية التي سعت لتقريب مواقف الشرق والغرب الليبي، وقاد جهود اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) لتوحيد الجيش وتعزيز الاستقرار الداخلي بعد حرب طرابلس. وقد زار خلال السنوات الماضية عددًا من العواصم العربية والأوربية، للتنسيق مع قادة عسكريين محليين ودوليين، بهدف تعزيز التعاون الأمني وتشكيل قوة مشتركة لحماية الحدود الليبية.

جهود الحداد لم تتوقف عند حدود المساعي الداخلية، بل اتخذ إجراءات لمخاطبة الأطراف المشاركة في المشهد، من خلال لقائه في القاهرة مع عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان الجيش الليبي آنذاك، في يونيو 2022، ضمن اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). وفي مارس 2023، اجتمع الحداد والناظوري في روما مع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، الجنرال مايكل لانغلي، حيث أكدا المضي قدمًا في مشروع توحيد الجيش وتشكيل قوة مشتركة لحماية الحدود، فضلًا عن عقده عدة لقاءات مع مسؤولين عسكريين أمريكيين في إطار التعاون الأمني، وتوقيعه اتفاقًا عسكريًا في روما عام 2023 لتدريب القوات الخاصة الليبية وتعزيز التعاون الأمني في شرق المتوسط.

ويشير الكثير من المحللين إلى أن الحادث يأتي في وقت بالغ الحساسية، إذ يمثل استهدافه – إن صحّت فرضية التدبير الممنهج – تهديدًا مباشرًا لأي جهود لبناء ليبيا الموحدة، خاصة في ظل استمرار وجود القوات الأجنبية والميليشيات المسلحة، وتضارب مصالح الأطراف المحلية والإقليمية. ويُطرح السؤال الأكثر إلحاحًا.. من المستفيد من تعطيل مسار توحيد المؤسسة العسكرية؟

التخلص من الحداد عاملًا مهمًا في القضاء على أية محاولات لبناء ليبيا الموحدة، لا سيما من قبل الأطراف الفاعلة والمستفيدة من مشاهد الانقسام الداخلي، والتي ما زالت تعبث بالداخل الليبي وتستنزف موارده الاقتصادية والنفطية، في ظل تبنّيه استراتيجية تفكيك المنظومة الميليشياوية، وإنهاء التواجد الأجنبي في العمق الليبي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية، من خلال تحقيق التوازن بين الشرق والغرب، تمهيدًا لبناء حالة الاستقرار الداخلي على المستويين السياسي والتشريعي.

الفريق الحداد خلال مشاورات مع وزير الدفاع التركي - أرشيفية 
الفريق الحداد خلال مشاورات مع وزير الدفاع التركي - أرشيفية 

عددًا من التحليلات حول واقعة تحطم طائرة الحداد ومعاونيه، وجهت أصابع الاتهام إلى حكومة الدبيبة ذاتها، في ظل الخلافات الحادة والأخيرة بينه وبين عبد الحميد الدبيبة، المحسوب على جماعة الإخوان والمدعوم من تركيا، وكذلك خلافاته مع قيادات المليشيات المسلحة التي يتم إدارتها وفق مسارات القوى الإقليمية الخارجية، فضلًا عن خلافاته مع ممثلي الجانب التركي، نتيجة معارضة الحداد لاستمرار بقاء القوات التركية في الغرب الليبي، وذلك في ظل اتخاذ البرلمان التركي، خلال الساعات الماضية وتحديدًا في 23 ديسمبر الجاري، قرارًا بتمديد مهمة القوات التركية في ليبيا لمدة عامين، بدءًا من 2 يناير 2026.

ويأتي تواجد القوات التركية في الغرب الليبي بموجب المادة 92 من الدستور، بتاريخ 2 يناير 2020، وجرى تمديد مهامّها آخر مرة في 30 نوفمبر 2023، وذلك بموجب مذكرة التفاهم التي عُقدت بين الجانب التركي وحكومة "الوفاق الوطني" برئاسة فائز السراج، لمطالبة تركيا بدعم وجودها في أعقاب الهجمات التي شُنّت في أبريل 2019 على طرابلس بهدف الإطاحة بها. وبموجب مذكرة التفاهم، أرسلت تركيا آلافًا من جنودها إلى جانب عناصر من فصائل موالية لها في سوريا إلى غرب ليبيا، كما أقامت قواعد برية وبحرية وجوية ومركز عمليات مشترك في طرابلس، وتولت تدريب جنود ليبيين، سواء داخل ليبيا أم في قواعد الجيش التركي.

وقد تسبب قرار البرلمان الليبي في حالة من الانقسام في الشارع الليبي، على أن اعتبار أن القرار يمثل تكريسا للتدخل الأجنبي في الشأن الليبي، وانتهاكًا صريحًا لمبدأ السيادة الوطنية، واعتبار ليبيا بمثابة إرثًا عثمانيًا،  لا دولة مستقلة ذات سيادة سياسية، لا سيما أن ليبيا تحولت إلى ساحة نفوذ إقليمي أو منصة لتصفية حسابات جيوسياسية، فضلًا عن تعطيل مسارات إعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية والتشريعية، وتحقيق الاستقرار الداخلي.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء