الملاذ الأخير: هل تصبح سراييفو المقر الآمن للإخوان بعد الضغوط الأوروبية؟
في ظل تلقي جماعة الإخوان عدة ضربات متتالية من جانب دول أوروبا، واتخاذ إجراءات صارمة بحظرها وتتبع مساراتها وتدفقاتها المالية، فضلًا عن القرار التنفيذي الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببحث تصنيف عدد من فروع الجماعة على قوائم الإرهاب، يدور الحديث في ثنايا التنظيم عن التنقل بين عدة دول في شرق أوروبا تمثل لها حاضنة حركية وتنظيمية، ومن بينها دولة البوسنة والهرسك.
تحولت العاصمة البوسنية "سراييفو" إلى قبلة للجماعات المتطرفة منذ اشتعال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، والتي لعبت فيها جماعة الإخوان دورًا هامًا، بجانب الميليشيات المسلحة التي تشكلت خلال الحرب الأفغانية، أو ما عُرفت إعلاميًا بـ"المجاهدين العرب".
تسريبات الاجتماعات المتعاقبة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، التي انعقدت خلال الفترة الأخيرة، كشفت عن اتجاه الجماعة إلى استغلال تواجد روافدها في "سراييفو"، وعلاقتها القوية والوثيقة على المستوى الرئاسي والحكومي، وتحويلها إلى مرتكز آمن لقواعدها التنظيمية واستثماراتها المالية، في ظل الحظر والتضييقات الأمنية التي تلاحقها على كافة الأصعدة الأوروبية والعربية.
بات الزحف الإخواني تجاه "سراييفو" اضطراريًا في ظل المتابعات الأمنية وملاحقة قياداتها على المستويين العربي والإقليمي، وكذلك على مستوى معاقلها في الدول الأوروبية الكبرى.

عقب سقوط حكم المرشد في القاهرة، تلقت جماعة الإخوان دعمًا سياسيًا من قبل باكر عزت بيجوفيتش، رئيس المجلس الرئاسي البوسني حينها، وزعيم حزب العمل الديمقراطي، ونجل أول رئيس بوسني علي عزت بيجوفيتش، والذي ظهر رافعًا شارة "رابعة" ضمن استقباله لوفود من قيادات الإخوان المصريين.
شد الرحال إلى "سراييفو" لم يكن من باب المصادفة، في ظل قربهم من قيادات حزب العمل الديمقراطي المحسوب على جماعة الإخوان، والذي حظي بعضوية ورئاسة المجلس الرئاسي البوسني لعدة سنوات، فضلًا عن العلاقات التاريخية الممتدة منذ سنوات الحرب الأهلية بين عامي 1992 و1995، من قبيل انتماء الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش إلى صفوف جماعة الإخوان، وتأثره بخطابات حسن البنا وسيد قطب، وتأسيسه لجمعية "الشبان المسلمين" (BHS: Mladi Muslimani) عام 1938، والتي شملت عدة أقسام ولجان داخلية تماهت مع الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان في القاهرة.
جمعية الشباب المسلمين
ساهم في تأسيس "جمعية الشباب المسلمين" محمد هانجيتش، رئيس منظمة العلماء "الهداية"، الذي ارتبط بجماعة الإخوان في القاهرة خلال فترة دراسته في الأزهر الشريف وحصوله على درجة الدكتوراه عام 1935، ومصطفى بوسولاجيتش، أبرز المفكرين الإسلاميين في البوسنة، ومؤلف كتابي "المسلمون في أوروبا" و"المسلمون في روسيا"، وحسن بيبر، وعمر بهمن، ونصرت فزليبيجوفيتش، وخالد كايتاز، وعمر ستوباتس، وطارق مفتيتش.

حزب العمل الديمقراطي
أعلن بيجوفيتش وثيقة "البيان الإسلام"» التي حملت الأدبيات الفكرية لجماعة الإخوان في سبعينيات القرن الماضي، ومن قبلها أصدر صحيفة "المجاهد". وعقب خروجه من السجن بتهمة مناهضة الشيوعية عام 1990، أسس حزب "العمل الديمقراطي" كممثل للجناح السياسي عن الإخوان المسلمين في "سراييفو".
تلقى الرئيس علي عزت بيجوفيتش دعمًا كبيرًا من قيادات "مكتب الإرشاد" بالقاهرة خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، سواء عن طريق صناعة الظهير العربي على المستوى الشعبي والسياسي، أو عن طريق الدعم بالعناصر المسلحة التي تدربت خلال الحرب الأفغانية، فضلًا عن الدور الذي لعبته ماكينة التنظيم الدولي في توفير الدعم المالي (أموال الصدقات والتبرعات) عن طريق منظمة "الإغاثة الإسلامية"، ومنظمة "إغاثة العالم الثالث"، من داخل المنطقة العربية أو من بين صفوف الجاليات العربية والإسلامية في الغرب.
جراح سراييفو
كان نموذج أوبريت "جراح سراييفو" من أكثر الأدوات الترويجية خلال تسعينيات القرن الماضي في استقطاب الشباب وتسفيرهم إلى مناطق الصراع ما بين البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان وغيرها، والتي صيغت أبياته بحرفية التأثير العاطفي والنفسي والعقائدي، متضمنة: "سراييفو تقول لكم ثيابي ممزقة، وجدراني ثقوب، محاريبي تئن وقد تهاوى على أركانها القصف الرهيب".
استثمرت جماعة الإخوان الأزمة البوسنية في تأكيد شرعيتها كممثل رسمي عن الإسلام والمسلمين، فضلًا عن المتاجرة "المؤامرة على الإسلام"، والترويج لمنطقها في "عودة الخلافة"، مستخدمة مئات الأساليب الدعائية والغنائية التي عمدت من خلالها إلى تقديم "الفن الإسلامي البديل"، عبر شرائط الأناشيد التي لعبت على وتر الحماس والعاطفة الدينية.
مررت جماعة الإخوان أطروحاتها الفكرية والحركية داخل "سراييفو" من خلال اختراقها المكثف للمنظومة التعليمية ببناء المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة، فضلًا عن عدد كبير من المؤسسات المدنية والاجتماعية، وفي مقدمتها جمعية "الثقافة والتعليم والرياض" التي تضم خمس مؤسسات كبرى، وترتبط بعلاقات مباشرة مع "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOS)، ومنظمة "المنهج الوسطي" التي تعمل على توثيق العلاقة بين الإخوان ودوائر صنع القرار السياسي الغربي من داخل لندن.
لعب القيادي الإخواني السوداني الدكتور الفاتح علي حسنين، قبل وفاته في أغسطس 2024، دورًا فعالًا في توطين جماعة الإخوان، ليس في "البوسنة والهرسك" فقط، وإنما في عمق دول أوروبا الشرقية، مثل بلغاريا واليونان ورومانيا وألبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا وكوسوفو والمجر وسلوفاكيا والتشيك وبولندا ومولدافيا، ولذلك لُقب برجل الظل والمفوض من قبل التنظيم الدولي، في ظل مشاركته في تأسيس وإدارة مجموعة من الكيانات الإخوانية، منها "اتحاد الطلاب المسلمين" و"المجلس الإسلامي لدول شرق أوروبا".

بعثات الإخوان
كان لقيادات الإخوان المصريين دور بارز في الداخل البوسني، أمثال الدكتور أحمد الملط، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان الأسبق، وأحد قيادات التنظيم الخاص، والمشرف على بعثات الإخوان إلى البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان، وكذلك عبد المنعم أبو الفتوح، وجمال عبد السلام، المدير التنفيذي للجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب، وأشرف عبد الغفار، وعصام الحداد، الذي عمل مستشارًا للرئيس البوسني السابق علي عزت بيجوفيتش، وتولى مسؤولية ملف "إخوان البوسنة والهرسك" داخل التنظيم الدولي.

في كتابه "الخلافة البلقانية القادمة: التهديد الراديكالي لأوروبا والغرب"، يشير الباحث الأمريكي بجامعة أكسفورد، كريستوفر ديليسو (Christopher Deliso)، إلى أن البوسنة والهرسك تحولت إلى أرض خصبة للتطرف، ويمكنها اجتذابه مرة أخرى عن طريق هؤلاء الذين يتوقون لإعادة "الجهاد" المزعوم مرة أخرى إلى إقليم البلقان.
وأكد الباحث الأمريكي أن طهران حصلت على موضع قدم لها داخل البلقان، لا تزال المنطقة تعاني من آثاره السلبية حتى الآن، وأنها تمكنت من دعم العناصر المتطرفة من خلال الأموال والأسلحة التي دخلت عن طريق الجمعيات التي تتخذ العمل الإنساني والخيري ستارًا لها.
سيطرة الإخوان على مقاليد السلطة
في نهاية عام 2020، صدر عن مشروع مشترك بين مركز "جلوبسيك" (GLOBSEC) الذي يقع في سلوفاكيا، ومشروع مكافحة التطرف (CEP) الأوروبي، تقرير عن أنشطة جماعة الإخوان وفروعها في كل من مقدونيا الشمالية والبوسنة والهرسك
أوضح التقرير الأوروبي سيطرة جماعة الإخوان على مقاليد السلطة الرسمية في البوسنة والهرسك، مسلطًا الضوء على ارتباط الدكتور مصطفى سيريتش، مفتي البوسنة السابق، بجماعة الإخوان المسلمين، من خلال عضويته في "المجلس الأوروبي للفتوى والبحوث"، وكذلك "جمعية الثقافة والتعليم والرياضة" المعروفة بـ(AKOS)، التي ترتبط بصلة مباشرة مع "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOS)، وتضم تحت رايتها مجموعة منظمات تنشط في اختراق المجتمع عبر ملف التعليم والتثقيف الديني للشباب والمراهقين، ويشرف عليها محمد تولتش، وفقًا لدراسة بحثية نشرها مركز "توثيق الإسلام السياسي" في النمسا.



