رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اليمين الأمريكي بين الكنيسة والدولة: مشروع ثيوقراطي يهدد التعددية

ترامب ونتنياهو -
ترامب ونتنياهو - أرشيفية

يقول الشاعر والوالي الأموي نصر بن سيار: "أرى تحت الرماد وميض جمر يوشك أن يكون له ضرام". جاء ذلك البيت الشعري كتقدير موقف يلخص الحالة السياسية في نهاية الخلافة الأموية، خاصة في منطقة خرسان التي كان يتولاها بن سيار، إذ استبصر بزوال ملك بني أمية في مرحلة لاحقة.

ولعل بيت بن سيار ينطبق حاليًا على حالة الوئام والتحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة، فواشنطن دائمًا كانت عونًا وحليفًا لإسرائيل خلال العقود الماضية، إلا أن ثمة تغيرات في الساحة الأمريكية خلال السنوات العشر الماضية بدأت تتشكل وتشير إلى نوع آخر من العلاقات بين الطرفين، تكون الكراهية والاحتقار الفاعل الرئيس فيها. 

فلا تزال أجواء الحوار الذي أجراه الناشط الأمريكي النازي "نيك فوينتس" مع المذيع الجمهوري تاكر كارلسون تتردد أصداؤها إلى اليوم في المجتمعات اليهودية الأمريكية، خاصة ما يسمى "اللجنة اليهودية الأمريكية" (American Jewish Committee)، والتي وصمت تصريحاته بأنها معاداة للسامية. فحالة الوئام والسلام والتعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة باتت في مرحلة أفولها، خاصة بعد تنامي قوى اليمين المحافظ واليسار الراديكالي في السياسة الأمريكية مؤخرًا.

الناشط الأمريكي النازي  - نيك فوينتس 
الناشط الأمريكي النازي  - نيك فوينتس 

انهيار الليبرالية الغربية

حذر بيتر كويتز، عالم السياسة الأمريكي وأستاذ القانون، خلال دراسة له منشورة على موقع Real Clear Politics، من تنامي موجات اليمين الجديد في بلاده، موضحًا أن ازدراء الليبرالية ومعاداة السامية باتا أمرين متلازمين في فقه اليمين الجديد في أمريكا. إذ تعتبر قوى اليمين الجديد أن الليبرالية الغربية بمثابة آفة على الإنسانية، ويميل مثقفو اليمين الجديد إلى تصور هام بأن الليبرالية الممتدة من كتابات جون لوك في القرن السابع عشر إلى التصورات التقدمية المعاصرة هي خطة خبيثة طويلة الأمد.

يستغرب كويتز بشكل خاص من انضمام المحافظين الأمريكيين من الحزب الجمهوري إلى جهود اليمين الجديد في شيطنة الليبرالية وأفكارها، رغم أن المجتمع الأمريكي والنظام الدستوري في البلاد بني أساسًا على أسس ليبرالية تضمن حرية الفرد، وأن الأفراد متساوون بطبيعتهم، وأنه على الحكومة أن تضمن تلك الحقوق المتأصلة في المجتمع الأمريكي.

 التجمعات اليهودية الأمريكية
 التجمعات اليهودية الأمريكية

ويضيف أن تلك القناعات المبنية على أسس ليبرالية هي التي مكنت المجتمع الأمريكي على مدار 250 عامًا من الحفاظ على تجربته الفريدة، وأن محاولات إنكار جوهر هذا التراث في الوقت الحالي تفتح الباب على مصراعيه أمام موجات متتالية من التعصب والاضطهاد السياسي، وخدمة الأعراف الخاصة ببعض الفئات، وأخيرًا ترسيخ الحكم الاستبدادي في الولايات المتحدة، التي تميزت خلال القرون الماضية بتعزيز الحكم الليبرالي الديمقراطي.

صعود النازية الجديدة

في القلب من حملات اليمين الجديد في الولايات المتحدة يقف نيك فوينتس، المنتمي إلى ما يسمى جماعة النازيون الجدد في أمريكا. ويقف خلف فوينتس جماعة سياسية تدعى جماعة "غرويبرز"، والتي تنادي بتفوق العرق الأبيض ونبذ باقي العرقيات في المجتمع الأمريكي. وتنتمي تلك الجماعة النشطة على الإنترنت إلى جيل زد اليميني الساخط على الليبرالية.

 التجمعات اليهودية الأمريكية
 التجمعات اليهودية الأمريكية

مؤخرًا تزايدت أنشطة تلك الجماعة بشكل كبير، خاصة بعد مقابلة نيك فوينتس الأخيرة مع تاكر كارلسون، فتلك المحادثة وحدها حصدت ما يقارب 5 ملايين مشاهدة في غضون يومين من نشرها. كما حظيت مقابلة فوينتس مع بيرس مورغان مؤخرًا على 3 ملايين مشاهدة، فيما يتابع 1.1 مليون شخص فوينتس على موقع X.

بروز الدولة الثيوقراطية

في عام 2020 أسس فوينتس مؤسسة "أمريكا أولاً"، والتي باتت شعار الحزب الجمهوري وحملة ترامب في وقت لاحق. ويدعو فوينتس من خلال تلك المؤسسة إلى تأسيس دولة دينية مسيحية في أمريكا، مؤكدًا أن التنوع الأيديولوجي والديني الذي عليه الولايات المتحدة حاليًا يشكل خطرًا وجوديًا يهدد أمريكا، وأن أيديولوجيات مثل الصهيونية والعدمية والتعددية الثقافية هي التي قوضت الأمة الأمريكية، وأنه لا خلاص من فرض الدولة الدينية المسيحية في أمريكا وإلغاء مبدأ فصل الدين عن الدولة.

 التجمعات اليهودية الأمريكية
 التجمعات اليهودية الأمريكية

ويواصل فوينتس وأنصاره الضغط على نظرائهم في الحزب الجمهوري، واصفين إياهم بالضعف والتردد، وأنهم تخلو عن الأمريكيين البيض، وإخضاع مصالح الولايات المتحدة للمصالح الإسرائيلية، وتملق كبار مانحي الحزب الجمهوري من العناصر اليهودية المرتبطة بإسرائيل.

ازدراء اليهود

وصف فوينتس اليهود بأنهم "شعب بلاد دولة" وغير قابلين للاندماج في أي دولة، وأن اليهودية لا تتوافق مع قيم الحضارة الغربية، كما تختلف اليهودية مع الماضي التاريخي للحضارة الغربية. فالدول الغربية تعتبر الحضارة الرومانية امتدادًا تاريخيًا لها، وهو ما يتنافى مع العقيدة الصهيونية التي تكن الكره للحضارة الرومانية التي قام أبناؤها بتدمير الهيكل.

 التجمعات اليهودية الأمريكية
 التجمعات اليهودية الأمريكية

ويشتبك فوينتس مع قضية الازدواج الولائي لليهود في أمريكا، إذ يزعم أن اليهود الأمريكيين يدينون بالولاء أولًا لإسرائيل. وتعد تلك الفكرة نقطة الانطلاق الرئيسية في الحملة الانتخابية لزهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك. فرغم التضاد الفكري بين ممداني وفوينتس، إلا أن كل منهما كان له رأي في معالجة هذا الأمر، فوفقا لفوينتس فقد رأى ضرورة الاستئصال التام، أما فكر زهران ممداني الذي ينتمي إلى التيار اليساري التقدمي فيرى ضرورة تحقيق الانغماس والاندماج للجماعات اليهودية في الحياة الأمريكية بشكل كبير لنزع الازدواج الولائي لليهود الأمريكيين وتحويله إلى أمريكا فقط، ويكون ذلك عبر تعزيز أطر مكافحة السامية في البلاد.

حجم الغرويبرز

تثار حاليًا التساؤلات في المجتمع الأمريكي حول حجم الغرويبرز في المجتمع الأمريكي، فعديد الشبكات الإعلامية تدعي أن أنصار فوينتس من جماعة الغرويبرز في أرض الواقع ليست بالكبيرة، إلا أنها تحظى بدعم كبير على وسائل التواصل الاجتماعي رغم حجب حسابات فوينتس على جميع المنصات ما عدا منصة X، واعتبار أن فوينتس ظاهرة مصطنعة على الإنترنت.

ترامب واليمين الإسرائيلي - أرشيفية 
ترامب واليمين الإسرائيلي - أرشيفية 

مما لا شك فيه أن وسائل الإعلام الأمريكية تحاول التقليل من شأن فوينتس وجماعته المتطرفة واعتبارها ظاهرة إلكترونية أكثر من كونها حقيقية وواقعية، إلا أن ظاهرة فوينتس مثل الجمر تحت الرماد الذي يوشك أن يشتعل. فبعيدًا عن الخلافات حول تعداد أتباع فوينتس في المجتمع الأمريكي، فإنه في الحقيقة بات صانع الملوك في الولايات المتحدة. فمثلًا، قبيل الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب حرص على التواجد الشخصي معه في إحدى المناسبات، كما يتهرب ترامب كثيرًا من انتقاد أفكار فوينتس أمام الرأي العام.

 كما أن مشروع ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" مقتبس إلى حد كبير ومشابه أيضًا لحملة "أمريكا أولاً" لنيك فوينتس، لذا فإن التقارب المنهجي بين حملة ترامب وأفكار فوينتس يشي بوضوح أن ظاهرة اليمين الجديد في أمريكا ليست مجرد مظاهرة إلكترونية، بل لها وجود راسخ في المجتمع الأمريكي سيكون له تأثيراته المستقبلية على المجتمع الأمريكي وعلاقاته الخارجية، خاصة مع اليهود وإسرائيل.

ختامًا:

 توجد نقطة أخرى تشير إلى حجم التقارب بين اليمين الجديد واليمين المحافظ المتمثل في الحزب الجمهوري، وهو أن كلاهما يتميز بازدراء الأفكار الليبرالية الغربية التي بني عليها المجتمع الأمريكي، مثل التعددية الثقافية والعرقية وغيرها من الأسس الليبرالية المختلفة. لذا فإن حالة التقارب تشير بوضوح إلى أن اليمين الجديد المبني على أسس عرقية بيضاء من شأنه في المستقبل القريب الوثوب على قوى اليمين التقليدي، خاصة أن تجربة ظاهرة اليمين الجديد في صورته النازية ليست حكراً على التجربة الأمريكية، ففي أوروبا بدأت تظهر العديد من القوى السياسية المحسوبة على هذا التيار، وكانت خطواتها السياسية أسرع وأشمل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء