رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهروب من العدالة: أبعاد الغطرسة السياسية في محاكمة نتنياهو

محاكمة نتنياهو -
محاكمة نتنياهو - أرشيفية

شهدت تل أبيب، يوم الإثنين الموافق 15 ديسمبر 2025، جلسة جديدة لمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية اتهامه في العديد من القضايا المتعلقة بالرشوة، وخيانة الأمانة، ومحاولة التأثير على وسائل الإعلام الإسرائيلية ورشوتها.

منذ بدء التحقيقات في تلك القضايا، لجأ نتنياهو إلى العديد من الحيل والحجج من أجل تأجيل وإلغاء المحاكمة. ففي الفترة الأخيرة، وتحديدًا مع نهاية الشهر المنقضي، تقدّم نتنياهو بطلب عفو من الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ. وخلال السنوات الماضية، لجأ نتنياهو إلى العديد من الحيل القانونية من أجل تأجيل محاكمته في القضايا المنظورة؛ فمثلًا تم استغلال ظروف الحرب الأخيرة، التي استمرت لمدة عامين كاملين، من أجل تبرير عدم حضوره الجلسات. وفور انتهاء الحرب في 9 أكتوبر الماضي، لجأ إلى حيل ومراوغات، مثل انشغاله بلقاءات وفود دبلوماسية أو التعلل بإصابته بالتهاب الشعب الهوائية، لتبرير عدم حضوره.

لقاء دبلوماسي في باحات المحكمة

باحات المحاكمات مخصصة في الأساس لمحاكمة المتهمين والمجرمين، لكن في عهد نتنياهو باتت ساحة مخصصة للقاء الوفود الدبلوماسية الدولية. إذ حاول نتنياهو إيجاد مبرر لعدم حضوره الجلسات، فاستغل وجود وفد برلماني من دولة باراجواي برئاسة رئيس مجلس النواب راؤول لاتوري، وقدم نتنياهو طلبًا إلى المحكمة من أجل تأجيل الجلسة، لكي يتسنى له لقاء الوفد الباراجواني.

نتنياهو واستقبال ضيوفه حلال محاكمته أمس 
نتنياهو واستقبال ضيوفه حلال محاكمته أمس 

إلا أن طلبه قوبل بالرفض من هيئة المحكمة لاعتبارات عديدة، أبرزها إدراك هيئة المحكمة أن هذا ليس سوى وسيلة للتهرب من الحضور، وثانيًا أن الوفد الأجنبي في البلاد ليس على المستوى الوزاري، بل وفدًا برلمانيًا موجهًا في الأساس إلى لقاء رئيس الكنيست وأعضائه.

لم ييأس نتنياهو من رفض هيئة المحاكمة لإلغاء الجلسة، إذ انتقل إلى الخطة البديلة، وهي إجراء مقابلة رئيس مجلس النواب في باراجواي في باحات المحكمة، مما يشكل ضغطًا على هيئة المحكمة. ففي البداية، حدد قضاة المحكمة توقيت المحاكمة من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، أي أن مدة المحاكمة ساعتان ونصف فقط.

حضر نتنياهو جلسة المحاكمة في تمام الساعة التاسعة صباحًا، وتفاوض هو وفريقه القانوني من أجل تقليص زمن الجلسة، متعللين بأهمية لقاء الضيف البرلماني. إذ اصطحب رئيس الكنيست أمير أوحانا نظيره الباراجواني إلى جلسة المحاكمة، ليشكّل ضغطًا متزايدًا على هيئة المحكمة. كما طلب نتنياهو أيضًا سرعة المغادرة لوجود ترتيبات خاصة بلقائه مع توم باراك، السفير الأمريكي في أنقرة، والمبعوث الأمريكي الرسمي لسوريا، مما استدعى هيئة المحاكمة إلى فض الجلسة في الساعة العاشرة والثلث تقريبًا، وهو ما يعني نجاح نتنياهو في تقليص مدة المحاكمة من ساعتين ونصف إلى ساعة وعشرين دقيقة.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ

وعقب فض الجلسة، التقى نتنياهو براؤول لاتوري، حيث تبادل الطرفان بضع كلمات، وانصرفا كلٌّ إلى وجهته. وهو ما أثار قوى المعارضة في الكنيست، التي وصفت الأمر بالعار، وانتقدت أمير أوحانا لاستغلال زيارة برلمانية دولية من أجل الضغط على القضاء الإسرائيلي. وأشار مائير لابيد، زعيم المعارضة، إلى أنه كان يجب على أوحانا أخذ الضيف الأجنبي إلى مستعمرة نير غوز بغلاف غزة، التي تضررت بعد هجمات 7 أكتوبر، بدلًا من اصطحابه إلى جلسة المحاكمة.

النافذة النفسية لإسرائيل

يشير الكاتب الإسرائيلي ميرون رابوبورت، في مقالته المعنونة "طلب نتنياهو العفو.. مدخل لقراءة النفسية السياسية لإسرائيل"، والمنشورة على موقعي لوكال كول و(+972) العبريين، إلى أن رفض رئيس الوزراء الاعتراف بالخطأ يعكس مجتمعًا مهيأً لتفسير الندم على أنه ضعف، والقوة الغاشمة على أنها قدر محتوم.

أوضح رابوبورت أن طلب العفو الذي قدمه نتنياهو إلى الرئيس هرتسوغ حثّ على مراعاة مساهمة نتنياهو في تعزيز الأمن الإسرائيلي، وأبرز إنجازاته في تصفية قيادات حماس وحزب الله، ودوره في الحرب الإيرانية، والقضاء على المشروع النووي الإيراني، ودوره في تعزيز الأمن الإسرائيلي من خلال إنشاء القبة الحديدية وتعزيز الأمن السيبراني.

محاكمة نتنياهو 
محاكمة نتنياهو 

محاكمة نتنياهو 

ورغم أن طلب العفو مكوّن من 111 صفحة، فإنه لم يتطرق إطلاقًا إلى أحداث 7 أكتوبر، ومسؤولية الحكومة حول ذلك الحادث، كما لم يتطرق طلب العفو إلى أن شروط إسرائيل في الحرب السابقة لم تتحقق، فحركة حماس ما زالت باقية. ومن قراءة طلب العفو، استخلص الكاتب الإسرائيلي بعض النقاط التي تسيطر على النفسية الإسرائيلية، وهي:

أولًا: التكبر والغرور

 تُعد صفة التكبر والغرور من أبرز الصفات التي عاهدناها، نحن العرب، على إسرائيل، ولعل تاريخ المواجهات العربية–الإسرائيلية يشي بالكثير من الأحداث التي تثبت ذلك الأمر. ويشير الكاتب إلى أن فكرة الإقرار بالذنب لدى نتنياهو تُعد أمرًا مخالفًا للطبيعة، موضحًا أن احتمال عدم شروق الشمس صباحًا أكبر من احتمال اعتراف نتنياهو بجرائمه.

ثانيًا: الغطرسة 

طلب العفو المكوّن من 111 صفحة لم يتضمن ذكر كلمتي "آسف" أو "أعتذر"، بل كان وثيقة هجومية على معارضي نتنياهو. إذ ادعى محامو نتنياهو أن لائحة الاتهام ضده وُقّعت في نفس وقت وجود نتنياهو في البيت الأبيض لمناقشة اتفاقيات إبراهام، وهو ما يشير ضمنيًا إلى وجود قوى تحارب إسرائيل من الداخل ولا تتمنى لاتفاقيات إبراهام أن ترى النور. كما ترى رسالة طلب العفو أن لائحة الاتهام تحاول عرقلة جهود نتنياهو للنهوض بالاقتصاد الإسرائيلي.

محاكمة نتنياهو  
محاكمة نتنياهو  

ثالثًا: الخداع والمكر

 يُعدّان من الصفات الأصيلة في الشخصية الإسرائيلية، إذ تعتمد دائمًا على أسلوب الخداع من أجل تحقيق غايتها. فعلى سبيل المثال، لو حللنا سلوك تهرب نتنياهو من جلسات المحاكمة، نجده استنفد العديد من الحيل الماكرة لضمان عدم حضوره، مثل ادعاء المرض أوقاتًا، والانشغال بأمور الحرب أوقاتًا أخرى، واللقاءات الدبلوماسية في أحيان أخرى، وأخيرًا اصطحاب الوفود الدبلوماسية إلى جلسات المحاكمة للتأثير على قضاة المحاكمة.

ختامًا:

تكشف محاكمة بنيامين نتنياهو، بما صاحبها من مراوغات إجرائية وضغوط غير مسبوقة على المؤسسة القضائية، عنما هو أعمق من مجرد قضية فساد عابرة؛ فهي تعكس بنية نفسية وسياسية مأزومة تقوم على إنكار الذنب وتقديس القوة ورفض المساءلة. فالسلوك الدفاعي الهجومي الذي انتهجه نتنياهو، ومحاولاته الدائمة لتحويل قاعة المحكمة إلى ساحة سياسية أو دبلوماسية، يعبّران عن أزمة قيادة ترى في الاعتراف بالخطأ تهديدًا وجوديًا، لا مدخلًا للإصلاح أو استعادة الثقة.

محاكمة نتنياهو 
محاكمة نتنياهو 

وفي هذا السياق، لا تبدو القضية اختبارًا لشخص نتنياهو فحسب، بل اختبارًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على فرض سيادة القانون على أعلى هرم السلطة، بعيدًا عن منطق الحصانة والقوة والابتزاز الرمزي للحرب والأمن. كما تطرح المحاكمة تساؤلات جوهرية حول حدود تسييس القضاء، ومدى استقلاله أمام زعيم اعتاد إدارة الدولة بعقلية الصراع الدائم لا المحاسبة المؤسسية.

في المحصلة، تظل محاكمة نتنياهو مرآة كاشفة للنفسيّة السياسية السائدة في إسرائيل، حيث يُستبدل الاعتذار بالتصعيد، وتُستخدم الإنجازات الأمنية كدرع أخلاقي في مواجهة القانون. وتصبح الغطرسة بديلاً عن الاعتراف، والقوة غطاءً دائمًا للخطأ.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء