أحمد بلبولة يكشف سر تعزيز اللغة العربية| خاص
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي، وتزايد التحديات المرتبطة بالهوية والوعي الثقافي لدى الشباب، يبرز دور الجامعات الكبرى ليس فقط كمؤسسات تعليمية، بل كحاضنات للفكر واللغة والانتماء.
وتأتي جامعة القاهرة في مقدمة هذه الجامعات، بما تمتلكه من تاريخ أكاديمي عريق ورؤية معاصرة تسعى إلى الموازنة بين متطلبات العصر والحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية.
وفي هذا السياق، تحرص جامعة القاهرة على تعزيز حضور اللغة العربية والثقافة الأدبية في مختلف كلياتها، إدراكًا منها لأهمية اللغة بوصفها أداة للفهم والتفكير، وجسرًا للتواصل مع التراث والهوية.
كما تتبنى الجامعة توجهًا داعمًا للأنشطة الثقافية والمبادرات الطلابية، باعتبارها عنصرًا مكملًا للعملية التعليمية، ومساحة لصقل مهارات الطلاب وبناء شخصياتهم.
وفي هذا الحوار، يفتح الدكتور أحمد بلبولة عميد كلية دارالعلوم جامعة القاهرة أفقًا واسعًا للحديث عن دور جامعة القاهرة في دعم اللغة العربية، وأهمية دمج الثقافة بالتدريب العملي، وتجربة كلية دار العلوم في هذا الإطار، فضلًا عن دور المبادرات الوطنية وعلى رأسها أسرة طلاب من أجل مصر في بناء جيل واعٍ وقادر على القيادة والمشاركة المجتمعية الفعالة.
س: كيف ترون دور جامعة القاهرة في تعزيز اللغة العربية والثقافة الأدبية بين الطلاب؟
ج: تقوم جامعة القاهرة بدور محوري في دعم اللغة العربية، انطلاقًا من كونها لغة التعليم الأساسية بالجامعة، ليس في التخصصات الإنسانية وحدها، وإنما في الكليات العلمية أيضًا، حتى في ظل وجود بعض المقررات التي تُدرَّس بلغات أخرى. هذا التوجه يعكس وعيًا مؤسسيًا بأهمية اللغة العربية باعتبارها وعاءً للمعرفة وركيزة أساسية للهوية الوطنية.
س: هل تمتلك الجامعة رؤية واضحة لتعزيز استخدام اللغة العربية بين طلاب الكليات العلمية؟
ج: بالفعل، لدى الجامعة وعي كامل بضرورة تعزيز حضور اللغة العربية في جميع التخصصات، ويتجلى ذلك من خلال مبادرات متعددة، من بينها «قاموس القاهرة العصري للشباب»، إلى جانب الفعاليات الثقافية التي تستهدف ربط الطلاب باللغة في سياق معاصر. وهناك توجه جاد لتعميم تدريس اللغة العربية كمطلب جامعي إلزامي حتى على الكليات العلمية في المستقبل القريب، بدعم من معالي رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق.
س: ما دور الأنشطة الثقافية في إتقان الطلاب للغة العربية؟
ج: الأنشطة الثقافية تمثل المساحة الأوسع لتعلّم اللغة ممارسةً لا تلقينًا، فهي تمنح الطلاب الفرصة للاستماع والتفاعل والتعبير. وقديمًا قيل: «من أراد أن يتعلم اللغة فليسمع ويُسمِع». والشعر على وجه الخصوص يعد بوابة سحرية لتعلّم العربية، لأنه يجمع بين الجمال اللغوي والعمق الفكري، ويفتح آفاقًا واسعة لفهم الأدب والثقافة.
س: ما مدى أهمية دمج البرامج الثقافية والأدبية مع التدريب العملي للطلاب؟
ج: أرى أن هذه الفكرة عبقرية بكل المقاييس؛ لأنها تجعل من التدريب الميداني تجربة أكثر جاذبية وانفتاحًا وحيوية. فعندما يخرج التدريب من الإطار التخصصي المغلق إلى فضاء الثقافة والمعرفة، يصبح أكثر تأثيرًا في بناء الطالب، ويكسبه مرونة فكرية وقدرة على الربط والتحليل.
س: وكيف ينعكس ذلك على شخصية الطالب؟
ج: الثقافة تسد فجوات الوعي، وتصنع شخصية متكاملة قادرة على التفكير النقدي والإبداعي. فالذاكرة تحتاج إلى التاريخ، والعقل يحتاج إلى الفلسفة، والخيال لا ينمو نموًا صحيحًا إلا من خلال الشعر والأدب. وهذا التكوين المتوازن ينعكس حتى على أداء الطلاب في التخصصات العلمية، ويجعلهم أكثر قدرة على الابتكار وإيجاد الحلول.
س: هل هذه التجربة مطبقة فعليًا داخل كلية دار العلوم؟
ج: نعم، هذه التجربة مطبقة بالفعل في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، حيث جرى تطوير مقرر التدريب الميداني ليشمل أبعادًا ثقافية وأدبية، تسهم في توسيع مدارك الطلاب وربط المعرفة النظرية بالواقع الثقافي والمجتمعي.
س: كيف تدعم الكلية المبادرات الطلابية، وعلى رأسها أسرة طلاب من أجل مصر؟
ج: أسرة طلاب من أجل مصر أحدثت نقلة جوهرية في مفهوم الأنشطة الطلابية داخل الجامعة. فهي لا تقدم فعاليات تقليدية فقط، بل برامج تدريبية متقدمة، وزيارات ميدانية مؤثرة، وقوافل تطوعية تعزز روح المسؤولية والانتماء.
س: وما الرسالة التي تحملها هذه المبادرات للمجتمع؟
ج: أهم ما تقدمه المبادرات الوطنية أنها تختصر الزمن على الطلاب، وتضعهم مبكرًا على الطريق الصحيح، وتحميهم من التشوش الفكري الناتج عن حروب الشائعات التي تشكك في الإنجازات وتضعف الانتماء.
وهي تصنع طالبًا واعيًا، مبادرًا، وقادرًا على القيادة والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
يؤكد هذا الحوار أن جامعة القاهرة لا تنظر إلى التعليم بوصفه عملية تلقين معرفي فحسب، بل باعتباره مشروعًا وطنيًا متكاملًا لبناء الإنسان.
فاللغة العربية، بما تحمله من تاريخ وهوية، تظل في قلب الرؤية التعليمية للجامعة، جنبًا إلى جنب مع الانفتاح على العلوم الحديثة ومتطلبات العصر.
كما تكشف تجربة كلية دار العلوم عن نموذج ناجح لدمج الثقافة بالتدريب العملي، بما يسهم في إعداد خريج يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على التفكير الخلاق.
ويأتي دعم المبادرات الطلابية، وعلى رأسها أسرة طلاب من أجل مصر، ليعكس إيمان الجامعة بدور الشباب كشركاء في البناء والتنمية، لا مجرد متلقين.
وفي ظل الدعم المؤسسي واهتمام الدولة بالشباب، تتجسد هذه الجهود في صورة منظومة تعليمية تسعى إلى تخريج أجيال قادرة على الحفاظ على هويتها، ومواجهة التحديات، والمساهمة الفاعلة في صناعة المستقبل، انطلاقًا من وعي ثقافي راسخ ولغة حية نابضة بالفكر والإبداع.