نعمان العابد: إسرائيل تعتمد مبدأ الانتقال المرحلي لإفراغ الاتفاق من مضمونه
أكد الدكتور نعمان العابد، الباحث في العلاقات الدولية، أن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية ليس ردود فعل آنية ولا إجراءات أمنية طارئة، بل هو جزء أصيل من عقيدة سياسية راسخة تنتهجها دولة الاحتلال منذ عقود، تقوم على سياسة المراحل في التفاوض، بما يسمح لها بالتهرب من الالتزامات والتنصل من الاتفاقيات، موضحًا أن إسرائيل تعتمد مبدأ الانتقال المرحلي بهدف إفراغ أي اتفاق من مضمونه، حيث تلتزم جزئيًا بمرحلة أولى، ثم تعرقل أو تلغي المراحل التالية، وهو ما يمنحها فرصة فرض وقائع جديدة على الأرض تحت ذرائع أمنية أو تفاوضية متغيرة.
من أوسلو إلى اليوم.. تجربة مكررة
وأضاف العابد، خلال مداخلة عبر شاشة النيل للأخبار، أن هذه السياسة ليست جديدة، بل سبق تطبيقها بوضوح في اتفاقية أوسلو، التي نصت على قيام الدولة الفلسطينية في نهاية عام 1999، وهو ما لم يحدث، بدلاً من ذلك، عمدت إسرائيل إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق “A وB وC”، ثم فرضت سيطرتها الكاملة على مناطق “C”، ووسعت نفوذها العسكري حتى داخل مناطق “A” الخاضعة نظريًا للسيطرة الفلسطينية، مضيفًا أن جيش الاحتلال يتواجد فعليًا داخل هذه المناطق، وينفذ عمليات اقتحام واعتقال، في انتهاك صريح للاتفاقيات، مما يؤكد أن الحديث عن التزامات أمنية ليس سوى غطاء لسياسة توسعية ممنهجة.
وأوضح أن إسرائيل تحاول تطبيق المنطق ذاته، عبر اتفاقيات مرحلية لم تلتزم حتى ببنود مرحلتها الأولى، سواء فيما يخص الانسحابات أو الالتزام بما يسمى الخط الأصفر، أو تنفيذ البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال المساعدات والاحتياجات الأساسية، مؤكدًا أن ما يحدث في غزة اليوم يتقاطع مع ما يجري في لبنان وسوريا، حيث يتم استخدام القوة العسكرية كخيار أول، رغم أن الأمن الحقيقي، لا يتحقق عبر الاحتلال أو الاعتداء أو الاستيطان، بل فقط عبر الإيمان بالسلام وإقراره.
الخط الأصفر من إجراء أمني إلى خط موت
وحذر الباحث في العلاقات الدولية، من خطورة ما يسمى بالخط الأصفر، الذي كان من المفترض أن يحدد نطاقات انتشار مؤقتة، لكنه تحول فعليًا إلى خط موت للفلسطينيين، إذ تجاوزت السيطرة الإسرائيلية النسب المتفق عليها لتصل إلى أكثر من 60% من قطاع غزة، موضحًا أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة، بل يمنع السكان من العودة إلى منازلهم ومزارعهم، ويواصل هدم المساكن، وتهجير السكان قسرًا، واستهداف كل من يقترب من هذا الخط، ما يجعله أداة مباشرة للتصفية والتهجير لا للحماية.
وأشار الدكتور نعمان العابد، إلى خطورة التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس هيئة الأركان، التي تعتبر الخط الأصفر حدودًا جديدة لإسرائيل، وهو ما يعيد إلى الأذهان ما يجري في الضفة الغربية من إعادة احتلال فعلي للمناطق المصنفة “C” و”B”، وتوسيع مشاريع الاستيطان، خاصة في محيط القدس، مؤكدًا أن هذه المشاريع تهدف إلى فصل القدس عن جنوب الضفة الغربية، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، في إطار سياسة إحلال سكاني تقوم على مصادرة الأرض وفرض واقع ديموغرافي جديد.
خطة ترامب والسلام المزعوم
ويرى أن تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيـال زامير باعتبار الخط الأصفر حدًا حدوديًا جديدًا، تمثل هدمًا فعليًا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام، وتتعارض مع ما يعلنه عن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، موضحًا أن الحديث عن خلافات بين حكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية غير دقيق، فالمعيار الحقيقي هو الأفعال على الأرض، متسائلًا: هل ألزمت واشنطن إسرائيل بتطبيق المرحلة الأولى من اتفاقية شرم الشيخ؟ وهل أوقفت الخروقات التي تجاوزت 200 انتهاك وأسفرت عن أكثر من 400 شهيد؟

