هناك أسئلة تختبئ في الروح كأنها جرحٌ قديم لا يلتئم، مهما مرَّ عليه الزمن.
وفي مقدمة هذه الأسئلة يقف سؤالٌ يُصرّ على طرق أبواب الذاكرة كلما خيّم الليل أو هدأ العالم:
ماذا لو التقاها منذ زمن؟
لم يكن سؤالًا يستدعي إجابة بقدر ما كان يستدعي تنهيدة.
تنهيدة طويلة، محمّلة بكل ما لم يحدث، وبكل الطرق التي كان يمكن أن تسلكها حياته لو أن القدر قدّم له يدًا مختلفة في لحظة مختلفة.
كان طوال سنواته الماضية يعيش متصالحًا ـ أو هكذا ظنَّ ـ مع اختياراته، مع هدوئه، مع صمته، مع تلك الطبقات التي بناها حول قلبه كي يحميه من الخذلان.
لكن شيئًا ما في داخله كان دائمًا يرفض أن ينام.
ظلَّ السؤال يطوف في روحه:
ترى.. لو أنه التقاها قبل كل هذه الانكسارات، قبل تعب الروح، قبل نضجٍ ثقيل جاء متأخرًا… هل كان سيُصبح شخصًا آخر؟
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان…
التقاها.
التقاها صدفة، أو حكمة، أو مكيدة حبٍّ رتّبتها الحياة في اللحظة الأخيرة.
لم تكن تشبه خيال الماضي، بل كانت أجمل، أعمق، أكثر حضورًا مما تقبل الكلمات أن تشرحه.
لم يلتقِ ظلًّا تخيّله، بل امرأة حقيقية، لها صوت يوقظ شيئًا فيه، ولها نظرة تشبه نافذة تُفتح على ربيعٍ لا ينتهي.
وفجأة تغيّر كل شيء.
فالرجل الذي كان يسأل “ماذا لو؟” من باب الحنين… أصبح يسأل السؤال نفسه من باب الخوف.
الخوف من أن يكون اللقاء جاء متأخرًا لدرجة لا تسمح للحكاية بأن تولد كاملة.
لم يخفِ الأمر عن نفسه:
لقد تمنّاها.
تمنّى أن تكون معه، أن تنتمي أيامه لوجودها، وأن يصبح حضورها جزءًا من حياته لا مجرد عبور عابر.
تمنّاها كما يتمنّى الغريق يدًا، والمسافر طريقًا، والروح صدقًا طال انتظاره.
لكن…
كانت الظروف أقوى من رغبة القلب.
ظروف لا يدري كيف تشكّلت، وكيف تضخّمت، وكيف وقفت بينهما كجدار لا يسمح بخطوة إضافية.
ليس خطأه ولا خطأها… بل هو ذلك القدر الذي يأتي أحيانًا ليمنحك شيئًا جميلًا، ثم يضعه بعيدًا عن متناول يدك، كأنه يريدك أن تدرك قيمته فقط، لا أن تمتلكه.
ومن هنا عاد السؤال القديم ليلتف حول عنقه من جديد…
عادت الدائرة التي ظنّ أنه خرج منها للأبد:
ماذا لو التقاها منذ زمن؟
كان يقول لنفسه بصوتٍ خافت:
لو جاءت قبل كل هذه التعقيدات، لو جاءت قبل أن تنغلق بعض الأبواب، قبل أن تتصلّب بعض المسارات، قبل أن يتثقل كتفه بهذه المسؤوليات…
لو جاءت حين كان أكثر قدرة على البدء، وأكثر شجاعة في الاعتراف، وأكثر استعدادًا لأن يغامر بشيء لأجل شخص…
لربما كانت هي حياته كلها.
كان يتخيل أن الزمن لو أنصفه وأتى بها في السنوات الماضية، لكان قال لها منذ اللحظة الأولى:
“ابقِي… أنا أحتاجك.”
ولكنه اليوم لا يستطيع قولها بهذا الوضوح، لا لأنه لا يريد… بل لأن الظروف لا تجتمع لصالحه.
صار يخاف أن يفتح قلبه فتتهاوى الأشياء من حوله، أو أن يفعل ما لا يقدر العالم على منحه إياه.
ومع ذلك، كلما رآها أو فكّر فيها، شعر أن شيئًا فيه يعود للحياة:
شيء كان ميتًا، أو نائمًا، أو متجمدًا، عاد فجأة يتنفس، كأن اللقاء المتأخر لم يكن عقوبة، بل إنقاذًا.
لكن الإنقاذ نفسه كان ناقصًا…
فهو يرى فيها ما كان يمكن أن ينقذه لو جاءت قبل أوانه.
يراها حلًّا لمشكلة لم يعرف لها اسمًا.
يراها وعدًا لم يستطع الزمن أن يلتزم به.
لم يكن ينكر أن وجودها الآن أثار داخله ما لم يستطع دفنه:
كان يريدها.
يريد أن يستيقظ فتكون أول وجهٍ يراه.
وأن يعود في المساء فيجدها على الطرف الآخر من صوته.
أن تشاركه فوضته، وتطمئنّه حين ينهك، وتفضحه حين يتظاهر بالقوة.
لكن الواقع لم يترك له مساحة كافية.
ومع كل محاولة للتقدم نحوها، كانت تقف العقبات كأنها تقول له:
“أحببتها في الوقت الخطأ.”
وكان هذا أكثر ما يؤلمه:
ليس أنه لا يستطيع أن يقترب كما يريد، بل أنه التقاها أخيرًا… بعد أن شغل القدر كل الفراغات.
ولو أنّ اللقاء جاء قبل سنوات…
قبل أن تتراكم التزامات، وتتشكّل مسارات، وتُغلق نوافذ، وتُكتب التزامات لا يمكن كسرها…
لو جاء وقتها، لكان الحلم ممكنًا، وكان الاعتراف أسهل، وكان القلب أكثر خفة.
ولذلك يعود السؤال، يطوف في صدره، يضغط على أضلعه، ويجعله يتحسّر على الزمن كما يتحسر عاشق على قطارٍ فاته بسنوات:
ماذا لو التقاها منذ زمن؟
لكن الحقيقة المؤلمة الجميلة في آنٍ واحد هي أنه رغم كل شيء…
رغم الظروف التي تمنعه، والخطوات التي لا يستطيع اتخاذها، والطرق التي لا يمكنه تغيير مسارها…
إلا أنه يعرف في داخله أن حبّها لم يكن خطأ، ولا صدفة، ولا وهمًا.
كانت هي الجزء الصحيح الذي جاء في الوقت الخاطئ.
وكان هو الرجل الذي تعلم الحب متأخرًا، لكن بعد أن اكتمل نضجه.
وهنا تأتي المفارقة التي تُمزّق الروح وتُنضجها معًا:
هو لم يعد يسأل “ماذا لو التقاها منذ زمن؟” هربًا من واقعه…
بل لأنه يعرف في أعماقه أنها لو جاءت قديمًا لكانت مختلفة، ولكان هو مختلفًا، ولكانت الحكاية تستحق أن تبدأ.
الآن، يقف على حافة شعور لا يعرف مصيره، يراها أمامه ولا يستطيع أن يبلغها كاملة.
يتمنّاها ومع ذلك يخاف أن يمدّ يده فينقلب كل شيء.
يحبها وفي الوقت نفسه يحاول أن يقنع نفسه بأن الحب ليس دائمًا للامتلاك… أحيانًا هو للمعرفة.
معرفة من كُنا، ومن أصبحنا، وما الذي كان يمكن أن نكونه.
وهكذا يبقى السؤال يدور بلا نهاية:
هل كان سيكتمل كل شيء لو جاء اللقاء قديمًا؟
هل كانت الظروف ستلين؟
هل كان سيحملها بيده بدلاً من أن يحمل ذكراها في قلبه؟
هل كان سيستطيع أن يقول لها: “تعالي” فيستجيب العالم له؟
لا أحد يعرف.
لكن ما يعرفه هو أن الأيام قد أعطته لمحة من حياةٍ كان يمكن أن تكون حياته لو بدأت قبل أوانها.
وأخذت منه القدرة على عيش هذه الحياة الآن.
ومع هذا كله، يبقى الأمر الأصدق:
أنه التقاها… حتى لو تأخر اللقاء.
وأن قلبه رغم الظروف قد عرف طريقه إليها.
وأن السؤال الذي يؤلمه هو ذاته السؤال الذي يُبقيها حية في داخله:
ماذا لو التقاها منذ زمن؟
وكلما حاول أن يهرب من السؤال، عاد إليه…
لا لأنه لا يريد الحاضر، بل لأن الماضي وحده كان يملك المفتاح الذي ضاع.
واقعيا، يبقى ما بينهما قصة مكتملة بالنقص…
قصّة حبٍّ جاءت متأخرة، فتعلّقت بين الممكن والمستحيل، بين الرغبة والعجز، بين ما تمنّاه وما مُنع منه.
قصة رجلٍ أحبّ…
لكنه حين أراد أن يقترب، وقفت الظروف وقالت له:
لو أنك التقيتها منذ زمن… لكان كل شيء مختلفًا.