رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدكتور علي المصيلحي.. مهندس الإدارة وخبير الأزمات

الدكتور علي المصيلحي من مهندس إلى وزير.. مسيرة دينامو"التموين" في مواجهة الأزمات (بروفايل)

الراحل الدكتور علي
الراحل الدكتور علي مصيلحي وزير التموين السابق

من قاعات الكلية الفنية العسكرية إلى أروقة مجلس النواب ومناصب الوزراء، لم تكن مسيرة الدكتور علي المصيلحي مسارًا عاديًا.

 فقد كان اسمًا مرتبطًا دائمًا بالمهام الصعبة، والتحديات المعقدة، وأبرزها إدارة الملف التمويني الأكثر حساسية في مصر. 

رحلة حافلة بالخبرة والكفاءة، جعلت منه "دينامو" الحكومة في أوقات الأزمات.

بداية هندسية وخبرة تكنولوجية

ولد المصيلحي في محافظة الشرقية عام 1949، وتخرج بامتياز مع مرتبة الشرف من الكلية الفنية العسكرية عام 1971 في مجال الهندسة الإلكترونية. 

لم يكتفِ بذلك، بل حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة Paris VI.في فرنسا، متخصصًا في استخدام الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات. 

هذه الخلفية العلمية المتميزة لم تكن مجرد شهادات، بل شكلت منهجًا تفكيريًا يعتمد على التخطيط الدقيق والحلول التكنولوجية.

<strong>الراحل الدكتور علي المصيلحي مع </strong><span style=
الراحل الدكتور علي المصيلحي مع الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية

عمل المصيلحي كرئيس لقسم الحاسب بالكلية الفنية العسكرية حتى يناير 1991، ثم انتقل إلى القطاع الخاص كرئيس تنفيذي لشركة متخصصة في تكنولوجيا المعلومات ولمدة قاربت الـ 20 عام. 

  في عام 1999 تم تعيينه كبير مستشاري وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بسبب خبرته التكنولوجية.

في عام 2002 تم تعيينه رئيسا لمجلس إدارة الهيئة القومية للبريد المصري حيث وضع الخطة القومية لتطوير القطاع. 

في عام 2002، تولى رئاسة الهيئة القومية للبريد المصري، حتى ديسمبر 2005، ليُحدث به طفرة إدارية قبل أن ينتقل إلى العمل الوزاري.

 

وزير الأزمات.. من التضامن إلى التموين

بدأ علي المصيلحي مسيرته الوزارية كوزير للتضامن الاجتماعي في عام 2005، حيث كان له دور في إطلاق مبادرات وبرامج اجتماعية مهمة، أبرزها مبادرة "تكافل وكرامة" التي بدأها لدعم الأسر الأكثر احتياجًا. 

هذه الفترة كانت بمثابة إعداد لمهمته الكبرى لاحقًا.

في عام 2017، تم تكليفه بحقيبة وزارة التموين والتجارة الداخلية، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تحديات اقتصادية كبرى. 

استمر في منصبه حتى عام 2024، ليصبح أحد أطول وزراء التموين بقاءً في المنصب. 

خلال هذه الفترة، كان وجهًا مألوفًا للمصريين، خاصة في مداخلاته التلفزيونية التي حاول فيها دائمًا طمأنة المواطنين بشأن توافر السلع واستقرار الأسعار.

وكذلك بتصريحه الذي أثار جدلًا وقتها حول واللذيوصف تناول 5 أرغفة خبز يوميًا بأنه "غير صحي"، مؤكداً أن بعض المحافظات تستخدم الخبز "كعلف للطيور".

وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.

إنجازات رغم التحديات

 

تولى علي المصيلحي الوزارة في فترة حساسة للغاية، وشهدت حقبته العديد من الأزمات الاقتصادية العالمية، مثل جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، التي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الغذاء.

لكنه تميز في إدارتها عبر عدة محاور:

تطوير منظومة الدعم: كان من أبرز إنجازاته تحديث منظومة دعم الخبز والسلع التموينية عبر البطاقات الذكية، ما ساهم في ترشيد الاستهلاك وضمان وصول الدعم لمستحقيه بشكل أكثر فعالية.

المخزون الاستراتيجي: عمل على بناء وتأمين المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية (القمح، السكر، الزيت)، ما حمى السوق المصري من تقلبات الأسواق العالمية ومنع حدوث أي نقص مفاجئ.

الرقابة على الأسواق: أشرف على حملات رقابية مكثفة للتأكد من التزام التجار بالأسعار المحددة وعدم احتكار السلع، ورغم صعوبة المهمة، إلا أنها كانت ضرورية في حماية المستهلك.

قريب من الناس وبعيد عن الأضواء

كانت رحلة الدكتور المصيلحي في وزارة التموين والتجارة الداخلية حافلة بالملفات الشائكة والقرارات الصعبة، لكن حياته الشخصية وراء الكواليس حملت هي الأخرى تحديات لا تقل قسوة.

 فبجانب صراعه المستمر في إدارة ملف قوت الشعب، كان يصارع المرض في صمت، حتى قررت الحكومة أن تريح "رجل الأزمات" من منصبه، ليكشف بعدها عن معركته مع أخطر الأمراض.

الرحيل من الوزارة.. نهاية مسيرة حافلة 

ظل الدكتور علي المصيلحي في منصبه كوزير للتموين لـ7 سنوات، وهي فترة طويلة نسبيًا في تاريخ الوزارة، خاصة بالنظر إلى حساسية الملف والتقلبات الاقتصادية التي شهدتها البلاد والعالم.

 لم تكن هذه السنوات خالية من الجدل، ففي العديد من المرات، واجه الوزير انتقادات حادة في مجلس النواب بسبب ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع الأساسية. 

وقد طالب بعض النواب بإقالته أو استقالة الحكومة بأكملها بسبب ما وصفوه بفشل الوزارة في ضبط الأسواق.

وفي التعديل الوزاري الذي تم في يوليو 2024، تم إعفاء الدكتور المصيلحي من منصبه.

 ورغم أن الأسباب الرسمية لم تُعلن، إلا أن العديد من المحللين ربطوا هذا القرار بالأزمات المتلاحقة في الأسواق، وكذلك بظهور بعض قضايا الفساد التي طالت مسؤولين داخل الوزارة.

معركة السرطان.. صراع في صمت

بعد أشهر قليلة من مغادرته الوزارة، وفي أكتوبر 2024، كشف الدكتور المصيلحي عن إصابته بمرض السرطان. 

روى في لقاءات إعلامية لاحقة أن البداية كانت بصداع حاد ومفاجئ، وبعد فحوصات طبية تبين وجود ورم في الرئة وارتشاح في خلايا المخ.

صدم هذا الخبر الكثيرين، خاصة وأن المصيلحي كان يبدو في كامل صحته خلال فترة عمله بالوزارة. 

وخلال الأشهر التي تلت إعلانه عن المرض، خضع لعلاج مكثف، ورغم أن نتائج بعض الفحوصات أظهرت تحسنًا، إلا أن المرض كان أقوى في النهاية.

حياة عائلية بعيدة عن الأضواء

كان الدكتور المصيلحي يفضل إبقاء حياته العائلية بعيدة عن الإعلام، ولكنه كان أبًا لنجلين:

الدكتور طارق علي المصيلحي.

الدكتور عمرو علي المصيلحي، وله من الأحفاد 3.

نهاية الرحلة

بوفاة الدكتور المصيلحي، اليوم الثلاثاء 12 أغسطس 2025، تنتهي قصة "رجل الأزمات" الذي أدار أحد أصعب الملفات الحكومية، وواجه التحديات السياسية والاقتصادية بشجاعة، قبل أن يستسلم لمرضه في صمت وهدوء.

 تاركًا وراءه إرثًا من العمل والإدارة، وسيرة عطرة في الأوساط السياسية والإدارية.

برحيله، تكون مصر قد فقدت قامة وطنية وخبيرًا إداريًا استثنائيًا، ترك بصمة واضحة في كل منصب تولاه، وظل اسمه مرتبطًا بملفات لم يكن من السهل على أي شخص آخر إدارتها في ظل ظروف اقتصادية عالمية غير مسبوقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء