الحرب الوقائية الإسرائيلية في جنوب سوريا: قراءة في عملية"بيت جن"
في تطور جديد لافت للنظر، أقدم الجيش الإسرائيلي فجر يوم 28 نوفمبر 2025 على اقتحام بلدة بيت جن بمحافظة ريف دمشق بالقرب من سفح جبل الشيخ، تحت دعوى اعتقال مطلوبين أمنيين سبق لهم العمل مع تنظيم "الجماعة الإسلامية" اللبنانية، وقاما بإطلاق الأعيرة النارية على مدرعات إسرائيلية قرب الجبل، مما أدى إلى إصابة بعض الجنود الإسرائيليين، فضلًا عن إطلاقهما صواريخ من على قمم عالية تجاه القوات الإسرائيلية.
نفذ اللواء الاحتياط 55 والفرقة 210 عملية الاعتقال بعد عملية استخباراتية إسرائيلية استمرت أيامًا. وخلال تنفيذ العملية أدى تعثر إحدى المركبات إلى محاصرة المواطنين لها، مما استدعى تدخلًا جويًا لقصف بلدة "بيت جن" خشية محاصرة المركبة، الأمر الذي أدى إلى وفاة أكثر من 10 أفراد منهم شيوخ ونساء وأطفال.

التوسع في سوريا
تأتي العملية العسكرية في سوريا حاليًا لتلقي الضوء على الأطماع الإسرائيلية في الجنوب السوري؛ فخلال الأيام الماضية عبرت إسرائيل عن نواياها في الاحتفاظ بالأماكن والبلدات التي احتلتها عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وخاصة منطقة جبل الشيخ التي تمد تل أبيب بميزة استراتيجية كبرى في تلك المنطقة، نظرًا لكونها تمتلك أربع قمم تشكل مدخلًا كاشفًا لكل من سوريا ولبنان والأردن، مما يسهل على الجيش الإسرائيلي مراقبة تلك المنطقة بإحكام شديد، فضلًا عن كونها تشكل المنبع الرئيسي لبحيرة طبرية ونهر الأردن ونهر الليطاني، مما يسمح لإسرائيل بالتحكم في المياه في دول مثل الأردن ولبنان وسوريا.
سيطرت إسرائيل على بلدات الشريط الحدودي للجولان، خاصة مناطق قمم وسفوح جبل الشيخ، منشئة العديد من المناطق العسكرية مثل قاعدة الحميدية في ريف مدينة القنيطرة الجنوبي، ولإنشاء تلك القاعدة تم تجريف 15 منزلًا سوريًا تحت دعوى تأمين القاعدة وضمان وضوح الرؤية. كما تم إنشاء قاعدة تلول الحمر التي تبعد عن العاصمة السورية دمشق بـ40 كلم، هذا بالإضافة إلى إنشاء قواعد أخرى مثل قواعد جباتا الخشب، والقرص النمل، والقحطانية، وكودنا، وعبدين، ومعربة.

وتشير المعلومات إلى قيام إسرائيل منذ سقوط الأسد بالمئات من العمليات العسكرية التوغلية في سوريا، مسيطرة في ذلك على 800 كيلومتر مربع من الأراضي السورية، وهي التي كانت تنتشر فيها القوات الأممية المعنية بمراقبة الحدود بين سوريا وإسرائيل والتي تم انتشارها بموجب اتفاقيات فك الاشتباك الموقعة في عام 1974.
وتأتي السيطرة الإسرائيلية على مدينة القنيطرة السورية التي سبق تحريرها في عام 1973، وبناء العديد من القواعد في المناطق الحدودية بريف درعا وريف دمشق والقنيطرة، من أجل اتخاذ تلك القواعد كنقطة حماية أمامية لمواجهة أي توغل مضاد لإسرائيل من الجبهة الشمالية، فضلًا عن استخدام تلك القواعد كنقطة انطلاق للعمليات الإسرائيلية في سوريا، وأخيرًا الاستفادة من الطبوغرافية الخاصة بتلك المنطقة، والتي تعتبر سلسلة من المرتفعات تشرف على دمشق وريفها ومناطق الجليل والبقاع في لبنان.
رسائل استفزازية
وتنفيذًا لتلك الرغبات الإسرائيلية، رد رئيس الوزراء الإسرائيلي على التكهنات التي صاحبت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة في 9 نوفمبر الماضي، بأنه من المحتمل توقيع اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا في مقابل انسحاب إسرائيل من مناطق الجنوب السوري، بزيارة مناطق الجنوب السوري، خاصة منطقة جبل الشيخ، رفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، ورئيس الأركان إيال زامير، ومدير جهاز الأمن الداخلي ديفيد زيني، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، والعديد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين.

أتت الزيارة لتوصل إلى النظام السوري رسالة استفزازية واضحة مفادها أنه لن يكون هناك انسحابات خلال الفترة المقبلة، وأن إسرائيل ستعمل على تعزيز استحكاماتها في المنطقة، وأنها قادرة على فرض الأمن في المنطقة دون الحاجة إلى اتفاقيات أمنية، وهو ما اتضح في العملية الأخيرة في بلدة بيت جن.
وعلاوة على استفزازات رئيس الوزراء الإسرائيلي والضربات العسكرية، بدأ نشطاء الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية في إطلاق المبادرات الداعية لإنشاء مستوطنات جديدة في الجنوب السوري؛ فتزامنًا مع إطلاق العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جن، تحركت مجموعتان استيطانيتان من شمال إسرائيل تنتميان إلى جماعة (رواد باشان) إلى مناطق الجنوب السوري، وذلك لتدشين أول مستوطنة إسرائيلية في الجنوب السوري، وسرعان ما قامت قوات الجيش الإسرائيلي في سوريا بتطويق المجموعتين وإعادتهما مرة أخرى إلى إسرائيل.

دلالات العملية العسكرية في جنوب سوريا
تشير العملية العسكرية إلى أنها استُبقت بعملية استخباراتية موسعة حاولت خلالها الاستخبارات الإسرائيلية جمع أكبر قدر من المعلومات حول التهديدات المرتقبة والمحتملة في المستقبل القريب، خاصة في ظل حالة الضعف التي مازال عليها النظام السوري الجديد من ناحية، وتنامي مد المقاومة في مناطق جديدة خارج إطار فلسطين التاريخية. وفيما يلي سيتم توضيح دلالات العمليات العسكرية الأخيرة:
تفعيل الحرب الوقائية:
منذ التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار في غزة وجنوب لبنان، لم تهدأ الغارات الإسرائيلية في استهداف الكوادر والقيادات في كل من حماس وحزب الله، والتي كان آخرها اغتيال رئيس أركان حزب الله. ولم تقتصر الحرب الوقائية على حماس وحزب الله؛ فحاليًا تجري عملية عسكرية كبرى في مدن الضفة الغربية، خاصة طوباس وجنين وطولكرم، من أجل ملاحقة العناصر المقاومة في الضفة. وبموجب تلك العملية أعلن الجيش اليوم 28 نوفمبر عن عزمه هدم أكثر من 20 منزلًا في جنين لتفعيل مطاردة عناصر المقاومة.
وتفعيلًا لمفهوم الحرب الوقائية باتت تل أبيب تنظر بعين الريبة لمناطق الجنوب السوري، خاصة بعد سقوط نظام الأسد؛ إذ ظهرت به العديد من الكيانات الضعيفة المناهضة لإسرائيل، مثل "كتائب الشهيد محمد الضيف"، والذي تم الإعلان عنه في مايو 2025 بإطلاق العديد من الصواريخ تجاه إسرائيل انطلاقًا من محافظة درعا السورية.

وبعيدًا عن كتائب الضيف، تنشط في سوريا أساسًا العديد من منظمات وفصائل المقاومة منذ قديم الأزل؛ فحركة حماس على سبيل المثال كانت تتخذ من دمشق مقرًا سياسيًا لها حتى عام 2011، كما تنشط جماعة الجهاد الإسلامي وفرعها العسكري سرايا القدس، فضلًا عن الجماعات اليسارية التاريخية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة"، ولاحقًا تم تأسيس فصائل صغيرة مثل حركة فلسطين الحرة عام 2008، وقوات "الجليل – حركة شباب العودة" عام 2011، والحزب الديمقراطي الفلسطيني وجناحه العسكري "سرايا العودة والتحرير".
لذا فالوجود العسكري للفصائل الفلسطينية في سوريا وإن كان خاملاً، فإنه يشكل تهديدًا لمنظومة الأمن القومي الإسرائيلي، وبناء عليه تسارع تل أبيب الخطى حاليًا من أجل منع أية تهديدات تأتيها من الداخل السوري.
تفعيل حق المطاردة الساخنة من جانب واحد:
يعد حق المطاردة الساخنة من الحقوق المنصوص عليها في القوانين الدولية، حيث تتفق دولتان على تفعيل تلك الآلية في مواجهة العصابات التي تنتشر على الحدود بينهما، حيث تتيح تلك الآلية إمكانية تعقب تحركات العصابات داخل الدولة الأخرى، وذلك من أجل تسهيل مكافحة الجريمة والتهريب.
وفي حالتنا هذه يبدو أن تل أبيب منحت نفسها حق المطاردة الساخنة لأعدائها في الأراضي السورية دون اتفاق مسبق مع النظام السوري، ويبدو أن تفعيل هذه الآلية يأتي في اتجاه واحد فقط من إسرائيل إلى الداخل السوري، فلا يستطيع النظام السوري تعقب الميليشيات الدرزية في شمال إسرائيل.
زيادة إحراج النظام السوري:

تتعمد الحكومة الإسرائيلية تعميق حالة الإحراج للنظام السوري الحالي بقيادة أحمد الشرع، وإظهاره بمظهر العاجز عن حماية أراضي دولته، وعدم الالتفات إلى الدعم الأمريكي المتواصل للحكومة السورية الحالية. ويتضح ذلك في العديد من المناسبات، أبرزها استباق استيلاء أحمد الشرع على العاصمة دمشق باستيلاء إسرائيل على مناطق جبل الشيخ في قنيطرة، ثم توجيه الدعم العسكري الجوي للميليشيات الدرزية خلال حربها مع النظام السوري في يوليو 2025، إذ تدخلت إسرائيل عسكريًا لحماية الميليشيات الدرزية في منطقة السويداء. وأخيرًا زيارة نتنياهو وكبار القادة العسكريين إلى مناطق الجنوب السورية وكأنها إشارة إلى الشرع أن إسرائيل لن تتخلى عن تلك المناطق، وأيضًا العملية العسكرية في منطقة بيت جن.
وبالتالي بات الرئيس السوري أحمد الشرع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاصطدام الداخلي بفصائل المقاومة والفصائل المناصرة لها، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى اقتتال داخلي في سوريا قد يؤدي إلى انهيار النظام نفسه، وإما إبقاء الوضع كما هو عليه والتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية ببيانات الشجب والإنكار كما حدث اليوم.

