رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العلويون بعد سقوط الأسد: هوية في مهبّ الانتقام السياسي

مظاهرات تندد بالاعتداء
مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية

يشهد المجتمع السوري تحولات حادة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، وتشمل هذه التحولات أوضاع الطائفة العلوية التي كان ينتمي إليها الرئيس السوري السابق، حيث يشعر المجتمع العلوي بالقلق من النظام الجديد، خاصة في ظل حالة الخطاب السائد بالتخلص من كل إرث بشار الأسد، وهو ما يزيد قلق العلويين الذين يشعرون بالتهميش على كافة المستويات بعدما كانوا جزءًا من الحكم السابق.

ويُثار في الأوساط العلوية المخاوف مما وصفته تقارير سورية بـ"العقاب الجماعي" الذي يتعرض له أبناء الطائفة في ظل العهد الجديد، ولِما يتعرض له أبناء الطائفة من عمليات ثأر فردية وانتهاكات يومية، وفصل تعسفي عن العمل، وتنفيذ اغتيالات، دون تدخل من السلطات الجديدة أو المجتمع المدني، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الحكم الجديد على تحقيق العدالة الانتقالية بين مكونات الشعب السوري.

أحمد الشرع 
أحمد الشرع 

من هم العلويون؟

يمثل العلويون طائفة دينية تُنسب تاريخيًا إلى "الإسلام الشيعي" رغم خصوصيتها المذهبية المستقلة، وتشير التقديرات إلى أنه قبل انطلاق الثورة السورية في عام 2011 كان العلويون يمثلون ما بين 10% و13% من سكان سوريا. وعلى الرغم من انتماء عائلة الأسد إلى هذه الطائفة، إلا أنه لا يمكن القول إن الطائفة كلها كانت مقربة من أسرة الأسد، سواء في فترة حكم "حافظ الأسد" أو في فترة حكم "بشار الأسد"، ما يعني وجود تنوع داخل الطائفة على مستوى الارتباط بأسرة الأسد التي حكمت سوريا لمدة تزيد على نصف قرن "1971–2024".

وارتبطت علاقة العلويين بأسرة الأسد بمدى الموالاة أو الولاء، حيث أحاط حافظ الأسد نفسه بالعلويين الموالين له لحمايته، أما أفراد الأقلية غير الموالين كالشيوعيين فقد تعرضوا لما تعرض له غيرهم من مكونات الشعب السوري؛ فمنهم من تعرض للسجن والاعتقال، ما يعني أنه لا يمكن الحكم على المجتمع العلوي بأكمله بأنه كان مواليًا لأسرة الأسد في عهدي حافظ وبشار. وقد حاول حافظ الأسد دمج الطائفة العلوية مع الأغلبية المسلمة وعدم إظهار الفوارق بين الطائفة وبين باقي المسلمين السوريين، فأقدم على بناء المساجد في البلدات العلوية، وصلى وصام علنًا، وشجع شعبه على فعل الشيء نفسه.

بشار الأسد
بشار الأسد

وتأثرت الطائفة العلوية بشكل كبير بعد عام 2011 بالحرب الأهلية التي اندلعت واستمرت لقرابة 13 عامًا، فلم تكن بمنأى عن أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال هذه السنوات. ووفقًا لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي، فقد قُتل أو جُرح ما بين 60% و70% من الشباب في بعض البلدات والقرى ذات الأغلبية العلوية خلال الحرب. كما اختبأ العديد من الشباب العلويين أو فروا من التجنيد الإجباري.

وتشير استطلاعات رأي استهدفت الطائفة العلوية في مطلع 2024 إلى أن العلويين واجهوا أيضًا نفس الصعوبات الاقتصادية التي عانى منها الشعب السوري، ولذلك أبدى العلويون خيبة أمل متزايدة تجاه نظام بشار الأسد؛ إذ إن أي فرد ينتمي للعلويين ما لم يكن من نخبة الطائفة المقربة من نظام الحكم، فإنه عاش نفس المعاناة التي عاشها أبناء الشعب السوري. ونظرًا للطبيعة الاستبدادية لنظام الأسد، لم يشعر الكثيرون منهم بإمكانية التعبير عن آرائهم، ولذلك لا يمكن اعتبار الطائفة بأكملها من أبناء الموالاة للنظام السابق، مثلها مثل جميع المكونات السورية.

مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 
مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 

محفزات القلق

يمثل سقوط نظام بشار الأسد أحد أهم أسباب القلق لدى أبناء الطائفة العلوية، باعتبار أن رأس النظام كان ينتمي إليها، وهو ما كان يوفر لأبناء الطائفة أو المجتمع العلوي أوضاعًا آمنة، ولكن بعد سقوط النظام يخشى العلويون من أن يتحملوا فاتورة انتهاكات النظام السابق تجاه مكونات الشعب السوري، أو أن تطالهم عمليات الانتقام التي تمارسها بعض العناصر المرتبطة بالسلطة الجديدة.

وتتعزز المخاوف لدى المجتمع العلوي بسبب وقائع وصفتها تقارير حقوقية بعمليات "قتل على الهوية"، خاصة بعد انتشار مقاطع توثق عمليات القتل للعلويين في منطقة الساحل التي شهدت هجمات أسفرت عن مقتل العشرات، نفذها مسلحون وصفتهم السلطات بأنهم من الموالين للنظام السابق. وأعقبت تلك الهجمات موجات من الانتهاكات العنيفة ضد المجتمعات العلوية، التي اعتبرت أن ما يحدث ضدها هو عمليات انتقام.

مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 
مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 

ومن الانتهاكات التي أثارت ذعر العلويين عمليات المداهمات التي استهدفت المناطق ذات الأغلبية العلوية، حيث اجتاحت قوات حكومية ممثلة في وحدات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب جماعات مسلحة موالية ومتطوعين مسلحين، الأحياء والبلدات والقرى ذات الأغلبية العلوية في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، مخلفة وراءها منازل محترقة، وجثثًا مكدَّسة، ومقابر جماعية، ومجتمعات مدمرة.

التقارير الحقوقية التي وثقتها منظمات منها "هيومن رايتس ووتش" و"سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" تكشف عن العديد من الممارسات التي عززت مخاوف وقلق العلويين من مستقبل الطائفة في ظل الحكم الجديد، حيث كشفت التقارير أن حملات المداهمات كانت تتم بشكل ممنهج يستهدف كل المنازل، وكان السؤال الذي يتردد عند كل منزل: "هل أنت علوي؟"، وغالبًا ما كانت الإجابة على هذا السؤال هي الفاصل بين حياة الشخص وموته بالإعدام الوحشي، وذلك في العمليات التي أطلقوا عليها "عمليات التمشيط الأمني" لمواجهة فلول النظام، إلا أنها تسببت في انتهاكات واسعة للعلويين.

مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 
مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 

في ظل تكرار مثل هذه العمليات والانتهاكات، أصبح العلويون يعيشون أزمة هوية؛ وذلك باعتبار أنهم كانوا جزءًا من السلطة أو هكذا كانت ترى غالبية مكونات الشعب السوري، وهو ما جعل هويتهم عبئًا عليهم في ظل تغير النظام الذي عانى بعضهم في عهده، لكنهم يُنظر إليهم كجماعة واحدة كانت أداة في يد النظام لممارسة العنف ضد باقي المكونات السورية، وأن العديد من الجرائم التي مارسها النظام السابق مورست باسمهم؛ لذلك يقع العلويون تحت وطأة التصنيف الذي يهدد مستقبلهم أو هكذا يشعرون.

ختامًا:

 يمكن القول إن المخاوف التي يعيشها العلويون لها ما يبررها بعد سقوط نظام بشار الأسد، بعدما أصبحت الهوية العلوية عبئًا على أصحابها، وبعدما مورست الكثير من الجرائم باسمهم دون تمييز بين مكونات الطائفة التي لا يمكن اعتبارها تيارًا واحدًا مواليًا للنظام السابق أو مستفيدًا منه. وما يعزز هذه المخاوف تعرضهم لانتهاكات مستمرة، وهو ما يعزز شعورهم بالتعرض لـ"عقاب جماعي".

مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 
مظاهرات تندد بالاعتداء على الطائفة العلوية - أرشيفية 

لكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبار أن هذه الانتهاكات هي سياسة ممنهجة من جانب النظام الانتقالي الحالي الذي لم تبنِ التصفية العلوية كسياسة نظامية، رغم عدم تحقيقه العدالة التي تنصف العلويين وتمنع اضطهادهم، وهو ما قد يثير مخاوف جميع الأقليات في سوريا وليس العلويين وحدهم.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء