من باريس إلى القاهرة.. قصة بناء قصر عابدين
يُعد قصرعابدين واحدًا من أهم وأجمل القصور التي شُيّدت في القرن التاسع عشر، وقد ارتبط بتاريخ مصر الحديث منذ نشأته عام 1863 وحتى قيام ثورة 1952. وخلال تلك السنوات، كان القصر مركزًا للأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي شكّلت ملامح الدولة المصرية الحديثة.

قصر عابدين: النشأة والبداية
ترجع بداية فكرة إنشاء القصر إلى زيارة الخديوي إسماعيل للعاصمة الفرنسية باريس عام 1867، بدعوة من الإمبراطور نابليون الثالث لحضور المعرض العالمي. وخلال الزيارة، اطّلع إسماعيل على مشروع إعادة بناء باريس بقيادة البارون "هاوسمان"، حيث شاهد الشوارع الواسعة والحدائق والمباني ذات الطرز المعمارية المختلفة، ما جعله يدرك ضرورة تحديث القاهرة لتواكب عواصم أوروبا.
ومع اقتراب موعد افتتاح قناة السويس عام 1869، والذي شهد حضور الإمبراطورة الفرنسية "أوجيني" والمهندس "ديليسبس" وعدد كبير من ملوك وأمراء العالم، كان قصر عابدين لا يزال قيد الإنشاء، فجرى استضافة الإمبراطورة في فيلا "عمر الخيام" (فندق الماريوت حاليًا).
شُيّد القصر فوق أطلال منزل قديم كان يملكه "عابدين بك"، أمير اللواء السلطاني. ولأجل إنشاء القصر، تم ردم البرك المحيطة وتسوية الأرض وشراء المباني المجاورة وإزالتها حتى وصلت المساحة إلى نحو 25 فدانًا وفقًا لحجة ملكيته.

الأحداث التاريخية التي شهدها القصر
شهد قصر عابدين العديد من اللحظات الفارقة في تاريخ مصر، من أبرزها:
ـ عقد قران عدد من أبناء الخديوي إسماعيل.
ـ إصدار فرمان عزل الخديوي إسماعيل عام 1879.
ـ مظاهرة 9 سبتمبر 1881 عندما وقف أحمد عرابي أمام القصر لعرض مطالب الجيش والشعب على الخديوي توفيق.
ـ حريق يوليو 1891 الذي دمّر جناح الحرملك أثناء وجود العائلة الخديوية في رأس التين.
ـ إقامة مراسم زفاف ولي عهد إيران على الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق عام 1939.
ـ حصار القصر بالدبابات البريطانية في 4 فبراير 1942 لإجبار الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة.
ـ محاصرة القصر في الساعات الأولى من ثورة يوليو 1952 على يد الضباط الأحرار.
الوصف المعماري لقصر عابدين
تم تصميم القصر على الطراز النيوكلاسيكي الفرنسي تحت إشراف المهندس الفرنسي "ليون روسو"، وبمشاركة معماريين وفنانين من مصر وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وتركيا، وكان من أبرزهم المهندس "ديكوريل".
يتكون القصر من طابقين:
الطابق العلوي
1ـ السلاملك: وهو جناح الاستقبالات والاحتفالات والمقابلات الرسمية، ويضم "قاعة قناة السويس - الصالونات بألوانها المختلفة - قاعة الاجتماعات - الحديقة الشتوية - قاعة محمد علي - قاعة الطعام الرئيسية - المسرح الملكي - قاعة العرش - صالون الخديوي إسماعيل
2ـ الحرملك: هو جناح إقامة العائلة، ويضم "أجنحة الإقامة - القاعة البيزنطية - الجناح البلجيكي - قاعة الطعام الصغرى".
الطابق الأرضي
يشمل بهو الاستقبال الرئيسي ومكاتب التشريفات، بينما خُصص مبنى مجاور للمطابخ لفصلها عن القصر تجنبًا للحرائق والروائح.

تطويرات قصر عابدين عبر العصور الملكية
ـ في عهد السلطان حسين كامل والملك فؤاد الأول، شارك المعماريون الإيطاليون في مشروعات توسعة القصر
ـ في عهد الملك "فؤاد الأول" عدة أجزاء جديدة للقصر بتصميم المهندس الإيطالي"فيروتشي"، مثل: كشك للشاي وآخر للموسيقى داخل حديقة القصر بين عامي 1919 و 1921. توسعة جامع الفتح، وله مدخلان أحدهما من داخل حديقة القصر والآخر من شارع عابدين. كما تم إنشاء متاحف القصر، وتم عمل توسعة لجناح السلاملك وإضافة قاعة للعرش، وكذلك إنشاء جناح للملكة "نازلي". بالإضافة إلي "القاعة البيزنطية" خلال الفترة من 1926 إلى 1930. كما اعتمد "فيروتشي" بكثرة على الأثاث الذي صنعه الفنان الفرنسي فرانسوا لينك" الذي أمد القصر بأكثر من 1200 قطعة أثاث متنوعة.
ـ في عهد الملك " فاروق الأول" تم تحويل النافورة التي تواجه كشك الموسيقى إلى حمام سباحة عام ١٩٣٧ .
التصميم المعماري
شُيِّدَت المباني على مساحة خمسة أفدنة، والباقی (20 فدانًا تقريبًا) خُصِّصَت للحدائق التي تحيط بالقصر. كما يتكون القصر من طابقين بينهما عدد من الأفنية، ولها عدة مداخل أبرزها باب باريس في الجهة الشرقية. وللقصر مدخل على الواجهة الرئيسية من الحديد "الفيرفورجيه" يحمل الحرف الأول من اسم الخديوي إسماعيل مطليًّا بالذهب.
كما ضمّ قصر عابدين عند إنشائه قرابة 550 غرفة وقاعة بخلاف الممرات.
قصر عابدين كمقر للحكم
اتّخذ ملوك أسرة محمد علي قصر عابدين – منذ عهد الخديوي إسماعيل - مقرًّا رسميًّا للحكم منذ افتتاحه عام 1872 حتى عام 1952. وظلّ هذا القصر المقر الرئيسي للحكم الملكي خلال تلك الفترة من تاريخ مصر، ثم اتخذه الرئيس محمد أنور السادات بعد ذلك مقرًّا للحكم الرئاسي.
التسجيل الأثري ومتاحف قصر عابدين
سجَّلت وزارة الآثار قصر عابدين ضمن القصور الملكية، ويضم القصر بداخله متاحف تتبع رئاسة الجمهورية، وهي: متحف الأسلحة، متحف الأوسمة والنياشين، متحف الفضيات، متحف هدايا رئاسة الجمهورية، متحف الوثائق التاريخية.





