رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


تبدو الخطة الأمريكية ذات 28 بندًا لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا نقطة انعطاف مفصلية في مقاربة واشنطن للصراع، كونها تكشف بوضوح انتقالًا من سياسة الدعم السياسي والعسكري المتأرجح لكييف إلى محاولة إنتاج تسوية واقعية تُعيد ضبط موازين القوى بما يراعي المكاسب الروسية المتراكمة على الأرض

 

  فالبنود التي تطالب أوكرانيا بالتخلي عن دونباس والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، وبالانسحاب النهائي من مسار الانضمام إلى الناتو، تمثل اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بأن خطوط التماس الحالية باتت مستقرة وغير قابلة للتغيير عسكريًا، وأن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تتجاهل التقدم الروسي البطيء ولكن الثابت في الحقيقة منذ بداية الحرب.


وتزداد دلالات هذا التحول حين تتضمن الخطة التزامًا بإجراء انتخابات خلال 100 يوم داخل أوكرانيا، وهي خطوة تنطوي على إمكانية إطاحة الرئيس فولوديمير زيلينسكي في ظل الاتهامات المتصاعدة بالفساد والتراجع الملحوظ في شعبيته. كما تُحدّد الخطة سقفًا لعدد القوات الأوكرانية عند 600 ألف جندي، وتغلق الباب نهائيًا أمام انضمام كييف إلى الناتو.

 

 وتطرح أيضًا ترتيبات اقتصادية دقيقة، مثل تقاسم الطاقة المنتجة من محطة زاباروجيا النووية بين الطرفين، ووضع آلية للتصرف في 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة، بما يمنح الولايات المتحدة 50% من أول مئة مليار دولار، إلى جانب حصة أوروبية. 

 

وبذلك تعيد الخطة رسم التوازنات الأمنية والاقتصادية بطريقة تمنح واشنطن وموسكو دورًا مباشرًا في هندسة مستقبل أوكرانيا، مع تهميش واضح للدور الأوروبي.

 

وفي هذا الاطار، تشير الملابسات التي انبثقت منها الخطة، والتي تمت صياغتها خلال مفاوضات بين الإدارة الأمريكية وكيريل ديمتريف خلال زيارته لواشنطن في أكتوبر الماضي، إلى رغبة أمريكية في التوصل إلى تفاهم مباشر مع روسيا خارج الأطر التقليدية. وهو ما يعكس مقاربة ترامب البراغماتية القائمة على تخفيض الالتزامات الأمريكية الخارجية والتركيز على صفقات ثنائية يمكن من خلالها احتواء روسيا دون كلفة عسكرية أو مالية مستمرة. 

 

وقد زاد من شكوك كييف والدول الأوروبية أن هذه المحادثات تمت دون إشراكهم، في خطوة مثلت استبعادًا صريحًا لأبرز الأطراف المتضررة من الحرب، وتعطي موسكو، عمليًا، اليد العليا في تحديد سقف التسوية.

 


ولذلك لم يكن مستغربًا أن تُواجه الخطة برفض أوكراني وأوروبي حاد في نسختها الأولى، قبل أن تتدخل بريطانيا وفرنسا وألمانيا خلال محادثات جنيف هذا الاسبوع لتقليص بنود الوثيقة من 28 إلى 19 بندًا، وإعادة صياغة بعض بنودها. وعليه حاولت الدول الأوروبية تعديل البنود الأكثر حساسية، مثل جعل المفاوضات تنطلق من خطوط التماس الحالية بدون الاعتراف المباشر بالمكاسب الروسية، ورفع سقف الجيش الأوكراني من 600 ألف إلى 800 ألف جندي، وتضمين ضمانات أمنية أمريكية قريبة من المادة الخامسة للناتو دون منح كييف عضوية رسمية. 

 

ومع ذلك، ظلت جوهر الخطة يعكس واقعًا ميدانيًا يمنح روسيا سيطرة فعلية على نحو 75% من المناطق المتنازع عليها، مما يجعل أي تسوية حتى بنسختها الأوروبية ترجمة سياسية لتقدم روسي رسّخ نفسه مع مرور الوقت.

 


في ظل هذا السياق المعقد، يجد زيلينسكي نفسه أمام مهلة محددة تنتهي يوم الخميس 28 نوفمبر 2025 للرد على الخطة، وفق ما أعلنه الرئيس ترامب. وهو ما قابله زيلينسكي بالدعوة إلى إشراك القادة الأوروبيين في التفاوض بدلًا من ترك المسار ثنائيًا بين واشنطن وكييف، في محاولة لخلق مظلة سياسية أوسع تمنع الإدارة الأمريكية من فرض تسوية منفردة.

 

 ورغم ذلك، يبدو أن الطرف الأوكراني يدرك محدودية خياراته، لا سيما في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة.


ومع استقراء ما تم ذكره أعلاه ، وهو بدوره ما ينقلنا الي تساؤل مفصلي في الحقيقة حول حدود أدوات الولايات المتحدة للضغط الأمريكي علي أوكرانيا للقبول بالخطة؟ 
تتجلى أخطر أدوات الضغط الأمريكية في التهديد بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، وهو عنصر كان حاسمًا في قدرة أوكرانيا على الصمود أمام الهجمات الروسية خلال العامين الماضيين، خصوصًا ما يتعلق برصد الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة.

 

 فبحسب التصريحات التي نقلتها رويترز عن مسؤولة البنتاغون السابقة سيليست والاندر، علي سبيل المثال فإن وقف تدفق الأسلحة لم يعد ورقة ضغط مهمة لأن واشنطن كانت قد أوقفت إرسال السلاح فعليًا منذ بدء ولاية ترامب، لكن منع الأوروبيين من شراء السلاح الأمريكي لصالح أوكرانيا، والأهم وقف المعلومات الاستخباراتية، يمثّل ضربة استراتيجية حقيقية لقدرة كييف الدفاعية. 

 

وهذا ما ظهر بوضوح حين علّقت واشنطن سابقًا تسليم الأسلحة والمعلومات بعد الخلاف العلني بين ترامب وزيلينسكي في فبراير الماضي، وهو ما انعكس فورًا على أداء الدفاعات الأوكرانية وثقة الحلفاء الأوروبيين في التزام الولايات المتحدة.
 

 

ورغم خطورة هذه التهديدات، من المتوقع أن تعمل أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون على اختبار مدى جدية ترامب بشأن الموعد المحدد لقبول الخطة والإجراءات العقابية المتوقعة، خاصة في ضوء سوابق تراجع الإدارة الأمريكية عن تهديدات سابقة حين واجهت رفضًا أوروبيًا وأوكرانيًا واسعًا. ومع ذلك، تبقى مساحة المناورة ضيقة أمام كييف، فرفض الخطة بالكامل قد يؤدي إلى خسارة ما تبقى من الدعم الأمريكي، بينما قبولها دون تعديلات جوهرية سيشكل تنازلًا استراتيجيًا صريحًا لموسكو.

 

ختاما، تبدو الولايات المتحدة عازمة على إنتاج تسوية تُنهي الحرب بما يتوافق مع أولويات إدارة ترامب ورؤيته لدور واشنطن في النظام الدولي، بينما تجد أوكرانيا نفسها بين مطرقة الواقع العسكري وسندان الضغوط السياسية الداخلية.

 

 وفيما تتسارع الاتصالات واللقاءات، سيبقى السؤال المركزي هو: إلى أي مدى تستطيع واشنطن استخدام أدوات الضغط دون أن تدفع كييف نحو خيارات أكثر جذرية، وإلى أي مدى تستطيع أوكرانيا الصمود سياسيًا قبل اضطرارها للقبول بتسوية تُكرّس عمليًا التفوق الروسي على الأرض.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء