تتحرك الحرب الروسية–الأوكرانية اليوم نحو مرحلة تتكاثر فيها المبادرات الدبلوماسية والضغوط الدولية، في وقت يتشكل فيه نظام عالمي جديد من بين شقوق الصراع. وفي قلب هذا المشهد تختبر أوروبا حدود قوتها وهشاشتها، بينما تتنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين على إعادة تشكيل خريطة النفوذ العالمي. وبينما تبدو التسوية العسكرية بعيدة، فإن التسوية السياسية باتت محور النقاش في مراكز الفكر الكبرى، من Chatham House وECFR في أوروبا، إلى CFR وAtlantic Council في واشنطن، وصولاً إلى SIIS وCCG في الصين. وتكشف هذه النقاشات عن مسارات محتملة لمستقبل الحرب، وما بعدها، وعن موقع أوروبا في النظام الدولي الذي يولد من بين ركام الصراع.
يرى توماس غراهام، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن التسوية الواقعية لن تكون تسوية كاملة، بل صفقة “توازن مؤقت” تُجبر روسيا على الاعتراف بأن استمرار الحرب لم يعد يصب في مصلحتها. هذه الرؤية الواقعية تعكس ما يتردد في أروقة واشنطن: لا نصر حاسم لأحد، لكن يمكن دفع الأطراف نحو اتفاق يقوم على وقف إطلاق نار طويل وضمانات متبادلة. أما الأوروبيون، كما تظهر دراسات تشاتام هاوس، فيخشون من تسوية غير متوازنة تفتح الباب لحرب جديدة، ويرون أن أي هدنة لا تضع قيودًا واضحة على قدرات روسيا العسكرية ستُدخل القارة في حلقة صراع قد تتكرر كما حدث في جورجيا أو مولدوفا. هذا القلق الأوروبي يعكس إدراكًا عميقًا بأن أمن القارة لم يعد مضمونًا، وأن صعود روسيا كقوة عسكرية متحفزة يعيد تعريف الخرائط القديمة لشرق أوروبا.
وفي أوروبا أيضًا، يجادل مارك ليونارد وإيفان كراسيف، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بأن الحرب لم تعد مجرد صراع على الأراضي، بل صراع على هوية أوروبا نفسها. فالقارة تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين مسار يعتمد بالكامل على المظلة الأميركية، ومسار آخر يتطلب بناء قوة استراتيجية أوروبية مستقلة. وبينما حققت أوروبا وحدة غير مسبوقة في دعم أوكرانيا، فإنها اكتشفت في الوقت ذاته مدى اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، ومدى هشاشة منظومتها الدفاعية في مواجهة قوة روسية باتت لا تخشى اختبار حدودها. وهكذا فإن أي تسوية في أوكرانيا ستعيد أوروبا إلى اشكالية رئيسية حول امكانية أن تكون أوروبا قوة مستقلة في قيادة الغرب.
أما روسيا، فمن المرجح أن تتعامل مع أي تسوية باعتبارها فرصة لتثبيت نفوذ محدد في الفضاء الأوكراني، وربما في مناطق أوسع من شرق أوروبا. حيث ترى روسيا نفسها قوة أوراسية لا يمكن استبعادها من ترتيبات الأمن الأوروبي. ويشير خبراء المجلس الأطلنطي الأميركي إلى أن أي حل لا يتناول “الطموحات الإمبراطورية لبوتين” سيعني أن الحرب لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة صمت مؤقت قد تنفجر مجددًا. هذا المنطق يفسر لماذا ترفض موسكو أي اتفاق لا يمنحها وضعًا خاصًا في المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب.
في المقابل، تطرح مراكز الفكر الصينية، مثل SIIS وCCG، فكرة “الأمن المشترك” كإطار للتسوية، حيث لا يجري إخضاع روسيا، ولا إهمال سيادة أوكرانيا، بل يُعاد توزيع الأدوار بما يسمح ببقاء روسيا قوة كبرى، وبقاء الصين وسيطًا ضروريًا في هندسة أي اتفاق. ويرى المفكر الصيني وانغ هويياو أن بكين تستطيع أن تملأ الفراغ الدبلوماسي بين موسكو والغرب، وأن تقدم نفسها كقوة مسؤولة في النظام الدولي، خاصة إذا ساعدت في بناء ترتيبات أمنية جديدة في أوروبا تُرضي الروس ولا تُقلق الأوروبيين. وهكذا تستخدم الصين الحرب لتأكيد رؤيتها لنظام متعدد الأقطاب، تتراجع فيه القيادة الأميركية المطلقة ويصعد فيه دور اللاعبين الدوليين غير الغربيين.
والنتيجة أن التسوية المحتملة للحرب لن تكون مجرد ترتيبات لوقف إطلاق النار، بل خطوة أولى في إعادة صياغة النظام الدولي. وفي ظل الصراع علي طبيعة النظام الدولي، قد تلجأ الولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية، الي إطالة أمد الحروب في العالم، حتي تتمكن من بسط نفوذها في منطقة الشرق الاوسط وأفريقيا ودول جنوب أمريكا اللاتينية لتأمين تدفق المعادن النادرة، والسيطرة علي مناطق انتاج الطاقة، وخلال هذه المرحلة سوف تبدي مرونة لروسيا والصين وأوروبا لتحقيق مكاسب ذات طبيعة مؤقتة وليست دائمة، ثم تنقلب علي كل الاتفاقات لتفرض شروطها علي الدول المنافسة لها علي قيادة العالم، وهنا سوف تظهر حدود الحركة وادوات الضغط لدي هذه الدول.
وهكذا فإن الحرب ستترك أوروبا أمام لحظة مفصلية. فهي مضطرة لإعادة بناء عمودها الفقري الأمني، ولتحديد موقعها في عالم يتغير، ولمواجهة حقيقة أن زمن “السلام الأوروبي الطويل” قد انتهى. ومهما كان شكل التسوية، فإن أوروبا لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 2022. ستبقى محاطة بروسيا التي لا يمكن الوثوق بها، وبصين تتوسع بهدوء، وبولايات متحدة تريد قيادة الغرب، وتحتاج إلى أوروبا بقدر ما تحتاج أوروبا إليها. ومن هذا كله يتولد نظام دولي جديد، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى على جغرافيا أوكرانيا، وتُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة العالمية التي ستحدد ملامح القرن الحادي والعشرين.