ادّعى أنه تاجر أرجنتيني.. كوهين يكشف مكيدة اغتيال عماد مغنية
في سبتمبر الماضي، أصدر المدير السابق للموساد يوسي كوهين كتابًا بعنوان «بالمكائد تصنع حربًا»، كشف فيه ما يصفه بأهم المحطات التي خاضها خلال سنوات عمله في الجهاز، وفي مقدمتها العمليات السرية التي بقيت طويلاً خارج التداول العام.
ومن بين أبرز ما أفرده له مساحة واسعة في كتابه، قصة الوصول إلى عماد مغنية، القائد العسكري الأبرز في «حزب الله»، والتي خصص لها فصلاً كاملاً يعيد فيه سرد الطريق الطويل الذي قاد في النهاية إلى اغتياله.
عين على رجل من داخل حزب الله
يروي كوهين في الفصل السادس كيف بدأت القصة بتعقب رجل لبناني كان مقرباً من مغنية، وعرف داخل الكتاب بالاسم المستعار «عبد الله»، فيصفه بأنه كان أكبر منه بنحو عقدين من الزمن، وأنه أحد العناصر القدامى الذين خاضوا مسار العمل المسلح في لبنان، لكنه في تلك المرحلة كان يبحث عن مستقبل اقتصادي آمن يقوده إلى أمريكا اللاتينية.
هذا الباب، كما يقول كوهين، كان فرصة لتجنيده، فبدأ معه سلسلة من اللقاءات المتحفظة، التقاه أولاً من دون سلاح احتياطاً، ثم حمل في اللقاء الثاني مسدساً، قبل أن يضع عليه مراقباً يتابع خطواته عن بعد كما يفعل الباحث في مختبر يراقب فأر تجاربه، ومع مرور الوقت تبيّن له أن انتماء الرجل لـ«حزب الله» لم يكن انتهازياً، بل نابعاً من عقيدة دينية وإيمان راسخ بأنه يسهم في حماية بلاده، وهو ما اعتبره كوهين نقطة القوة الأهم في الشخصية التي يسعى لاستمالتها.
مهمة البحث عن الجنديين المفقودين
كانت تلك المرحلة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين اتخذ كوهين غطاءً لتاجر أرجنتيني يبحث عن شراكة لمشروع في الشرق الأوسط، وفي لقاءات متكررة، شعر بأن «عبد الله» بدأ يأنس له ويثق به، فطرح عليه فكرة الشراكة.
وبعد تردد خفيف، واصل الرجل التواصل معه إلى أن حان الوقت لعرض المهمة الحقيقية، إذ أخبره كوهين أن هناك شركة ترغب في عمل استقصائي يتعلق بـ«حزب الله» مقابل مبلغ كبير، فرفض عبد الله في البداية بشكل قاطع وقطع الاتصال لأيام، لكنه عاد فجأة ليعلن موافقته، ليبدأ فصلاً جديداً من التعاون بينهما، شمل زيارة إلى إسرائيل والتجول في شوارع تل أبيب، بينما ظل الرجل يجهل أن شريكه الأرجنتيني ضابط في الموساد.

كان الهدف الأول من العملية كشف مصير الجنديين الإسرائيليين رحميم الشيخ ويوسي فينك، اللذين وقعا في أسر "حزب الله" عام 1986، وبحسب كوهين، كان المستشار الأمني الألماني برند شميد لاور يتولى الوساطة بين الطرفين لإتمام صفقة تبادل، لكن الحزب رفض الإفصاح إن كان الجنديان على قيد الحياة أو فقدا حياتهما، وطلب عدداً كبيراً من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين ثمناً لهما.
هنا لمع دور «عبد الله»، الذي نقل للموساد النبأ الحاسم: الجنديان فارقا الحياة متأثرين بجراحهما، ما قلب ميزان الصفقة بالكامل وخفّض قيمتها، وجعل من عبد الله مصدراً ثميناً يتجاوز التوقعات، بفضل علاقاته الواسعة وقدرته على الوصول إلى المعلومات داخل بنية الحزب.
الصيد الأكبر: الوصول إلى عماد مغنية
على أن ما يصفه كوهين بالإنجاز الأكبر لم يكن له علاقة مباشرة بقضية الجنديين، بل بما تلاها في السنوات اللاحقة، حين بدأ عبد الله يزوّد الموساد بما سماه معلومات مذهلة عن عماد مغنية، الذي كان مطارداً دولياً في 42 دولة، ووضعت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 25 مليون دولار مقابل أي معلومة تقود إلى القبض عليه، نظراً لدوره في عمليات قُتل فيها عدد كبير من الأميركيين في لبنان.
ومع أن كوهين لا يذهب بعيداً في كشف تفاصيل العملية التي أنهت حياة مغنية عام 2008 في دمشق، حين انفجرت سيارته، إلا أن مصادر أخرى سدّت هذه الفجوة لاحقاً.
ففي العام الماضي، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت باعتراف علني هو الأول من نوعه، أكد فيه أن حكومته كانت وراء اغتيال مغنية، وأن فريقاً من الموساد وضع الخطة ونفّذها بالتعاون مع المخابرات الأميركية، ليغلق بذلك دائرة الحكاية التي بدأها كوهين من مقعد الضابط السري، وأنهاها من صفحات كتاب يروي ما كان يجري في الظل.