زيارة تاريخية لعبد الله أوجلان في سجنه تمهد للسلام الكردي-التركي
في تطور لافت على صعيد عملية السلام بين الدولة التركية والحركة الكردية، قامت لجنة برلمانية تركية، مكلفة بمتابعة مسار التسوية مع المتمردين الأكراد، بأول زيارة رسمية من نوعها لزعيم ومؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، داخل سجنه في جزيرة إمرالي، اليوم الاثنين، وفق بيان صادر عن رئاسة الجمعية الوطنية التركية (البرلمان).
تمرد مسلح استمر لنحو أربعين عاما
تأتي هذه الزيارة في توقيت سياسي حساس، بعد مرور ستة أشهر فقط على إعلان حزب العمال الكردستاني بشكل رسمي تخليه عن الكفاح المسلح ضد أنقرة، وذلك عقب تمرد مسلح استمر لنحو أربعين عاماً وأودى بحياة ما يقرب من 50 ألف شخص، بين عسكريين ومدنيين، وتسبب في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة داخل البلاد، وفق “فرانس برس”.
وخلال السنوات الأخيرة، دخلت الحكومة التركية في حوار غير مباشر مع قيادة حزب العمال الكردستاني، في محاولة لنقل الصراع من الميدان العسكري إلى ساحة السياسة. وفي هذا السياق، كان الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، المعتقل منذ عام 1999 في حبس انفرادي في إمرالي، قد وجّه في فبراير الماضي من داخل زنزانته دعوة صريحة لأنصاره إلى وقف العمل المسلح، واتباع الأساليب الديمقراطية والسلمية في الدفاع عن الحقوق والقضية الكردية داخل تركيا.
خطوة مفصلية في مسار إغلاق ملف النزاع المسلح
اللجنة البرلمانية التي زارت أوجلان تضم 51 نائباً، وأسندت إليها مهمة إعداد إطار قانوني شامل يمهد لتحويل حزب العمال الكردستاني من تنظيم مسلح إلى فاعل سياسي، مع رسم مسار واضح لمستقبل مقاتليه، على أن تستكمل هذه الترتيبات قبل نهاية العام الجاري. وينظر إلى هذه المهمة على أنها خطوة مفصلية في مسار إغلاق ملف النزاع المسلح، عبر فتح الباب أمام المشاركة السياسية والاندماج في الحياة العامة.
استمرار التفاهمات بين الطرفين
رئاسة الجمعية الوطنية التركية أوضحت في بيانها أن اللقاء الذي جرى مع أوجلان داخل سجنه في جزيرة إمرالي "أفضى إلى نتائج إيجابية"، من دون الكشف عن تفاصيل كاملة، إلا أن الإشارة إلى "الإيجابية" عدت مؤشرا على استمرار التفاهمات بين الطرفين وإرادة المضي في مسار التسوية.
وبحسب البيان نفسه، تناول الاجتماع عدداً من القضايا الجوهرية، في مقدمتها الشروط المطروحة لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه تدريجياً، إضافة إلى مناقشة خطة خاصة بكيفية دمج المقاتلين الأكراد في الجيش السوري، بما يعني إعادة توجيه مسارهم من العمل المسلح غير النظامي إلى الانخراط في أطر عسكرية نظامية أو شبه نظامية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
شخصية محورية في أي مسار تفاوضي بالقضية الكردية
يشار إلي أن عبد الله أوجلان، الذي يبلغ اليوم 76 عاماً، يبقى شخصية محورية في أي مسار تفاوضي يتعلق بالقضية الكردية، سواء داخل تركيا أو في محيطها الإقليمي. فمن زنزانته المعزولة في إمرالي، لعب دوراً أساسياً في إطلاق ما يُعرف بـ"عملية السلام" قبل سنوات، عبر رسائل وخطابات تم نقلها إلى أنصاره، دعا فيها إلى إعادة تعريف النضال الكردي في إطار سياسي ودستوري وديمقراطي، بعيداً عن السلاح والتصعيد العسكري.
الزيارة البرلمانية الأولى من نوعها لأوجلان يمكن قراءتها بوصفها إشارة سياسية قوية على أن أنقرة ماضية في اختبار خيار السلام، وأن البرلمان نفسه بات لاعباً مباشراً في صياغة مستقبل العلاقة مع الحركة الكردية. كما تعكس الزيارة إدراكاً متزايداً بأن حل القضية الكردية لن يكون أمنياً فقط، بل يتطلب مساراً قانونياً وسياسياً شاملاً يتيح للأكراد مساحة أوسع من المشاركة والاعتراف بحقوقهم، وفي الوقت ذاته يطوي صفحة الصراع المسلح الذي أنهك جميع الأطراف لعقود طويلة.

