محاصرة النفوذ الصيني في الشرق الأوسط: أهداف ترامب الاستراتيجية
تسعى الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى تقويض النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط، فمنذ توليه السلطة تميزت السياسات الأمريكية بخدمة أهداف متعددة، إلا أنها في النهاية تصب في مصلحة زيادة النفوذ والهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وإبعاد وتقليل النفوذ الصيني في المنطقة.
ملفات متعددة جمعت بين واشنطن وبكين جعلت السباق بينهما محمومًا في منطقة الشرق الأوسط، على سبيل المثال مسألة العقوبات الأمريكية المفروضة على النظام الإيراني وبرنامجه النووي وموقف بكين من تلك العقوبات، وكذلك الموقف الأمريكي من مبادرة الحزام والطريق إذ اتخذت واشنطن مؤخرًا العديد من السياسات التي تهدف بشكل غير مباشر إلى إضرار المبادرة الصينية وتشجيع الطرق البديلة والمنافسة، وأخيرًا محاولة تقويض النفوذ الصيني في دول الشرق الأوسط مثل سوريا والسعودية.
تثوير المنافسين الإقليميين
منذ ولايته الأولى في عام 2016 دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حرب تجارية مع الصين، وذلك لخفض العجز في الميزان التجاري بين البلدين، إذ سبق أن اتهم الجانب الصيني بالغش التجاري وسرقة الملكيات الفكرية، وعليه تبادلت سياسات الحماية التجارية وفرض التعريفات التجارية بين البلدين كنوع من العقوبات المتبادلة بين الجانبين.

كل المؤشرات الاقتصادية تشير إلى تفوق صيني واضح في مجال العلاقات التجارية والاقتصادية، فالميزان التجاري بين البلدين يصب في صالح بكين، فضلًا عن قدرة الصين على إغراق الأسواق الأمريكية والعالمية ببضائع رخيصة الثمن وهو ما يعزز ميزتها التجارية في جميع الأسواق تقريبًا.
وإزاء ذلك تسعى واشنطن إلى تثوير القوى الإقليمية المنافسة للدور الصيني سواء في العالم أو في منطقة شرق آسيا مثل اليابان والهند وإندونيسيا، فطوكيو ونيودلهي على سبيل المثال تمتلكان عداوات قديمة مع النظام الصيني، بعضها يرجع إلى ملابسات الحرب العالمية الثانية وما قبلها، أما الهند فتحظى بتوترات حدودية دائمة مع الجانب الصيني، وسبق أن تراشقا الطرفان في بداية الستينيات في معركة قصيرة انتهت بانتصار كاسح للصين.

تحظى الهند ومشروعها الدولي المسمى "ممر الهند ـــ الشرق الأوسط ــــ أوروبا" بدعم أمريكي واسع المدى، فخلال مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025 تم الترويج في ذلك الوقت لأهمية الاتفاق في فتح آفاق اقتصادية جديدة في منطقة الشرق الأوسط عبر إنشاء ممر تجاري بري–بحري يربط دول الخليج العربي بالهند وإسرائيل، وأن إزالة خطر حركة حماس يصب في صالح ذلك المشروع.
وجدير بالذكر أن مشروع الممر الهندي–الشرق أوسطي يعد منافسًا استراتيجيًا لمبادرة الحزام والطريق، وفي حال تفعيله سيقضم جزءًا كبيرًا من حجم التجارة الصينية إلى أسواق الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي. ونتيجة المساعي الأمريكية الحالية التي تهدف إلى تهدئة الأجواء السياسية والعسكرية في منطقة آسيا الوسطى تحاول واشنطن حاليًا طرح مبادرة تجارية أخرى تهدف إلى ربط دول آسيا الوسطى بإسرائيل لتشكل هي الأخرى ممرًا تجاريًا شماليًا يحد من النفوذ الصيني، وبدأت بواكير تلك الخطوة بتوقيع كازاخستان على اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل وتنامي العلاقات الأذربيجانية مع الجانب الإسرائيلي، فباكو خلال فترة الحرب الأخيرة لعبت الدور التنسيقي بين تل أبيب وأنقرة منعًا لحدوث أي اشتباكات بين الطرفين، خاصة بعد نجاح هيئة تحرير الشام المدعومة من تركيا في الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024.

وعلى الجانب الآخر برزت للواجهة مرة أخرىقصة العداء الياباني–الصيني، ففي منتصف الشهر الجاري صرحت ساناي تاكايتشي رئيسة وزراء اليابان بأن بلادها ستتدخل عسكريًا في حال قيام الصين باحتلال تايوان، وهو ما يعد أول تهديد ياباني عسكري للصين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، مستعيدًا قصة العداء التاريخي بين البلدين الذي بدأ في سبتمبر 1931 حينما غزت اليابان الصين واحتلت إقليم منشوريا.
استرداد الشرق الأوسط مرة أخرى
لم تقتصر الإجراءات والسياسات الأمريكية المقوضة للنفوذ الصيني على منطقة شرق وسط آسيا فقط، بل امتدت أيضًا إلى دول الشرق الأوسط خاصة السعودية، فخلال الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، ساهمت المباحثات والاتفاقات بين الطرفين الأمريكي والسعودي في تقليل والحد من النفوذ الصيني.
تكشف غرانت روملي الباحثة في معهد واشنطن أنه يتعين على واشنطن استغلال فرصة زيارة بن سلمان للبلاد من أجل تقليص النفوذ الصيني في البلاد، خاصة في مجالي التكنولوجيا والدفاع، إذ تشير الكاتبة إلى أن رؤية المملكة 2030 تهدف إلى توطين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتطورة في المملكة، وبناء عليه تم تخصيص مليارات الدولارات لإنشاء مراكز البيانات وإنشاء منظمة "هيوماين" التي تهدف لمعالجة 6% من حركة الذكاء الاصطناعي العالمي.

وترى روملي أن الصين نجحت في الاستحواذ على جزء كبير من الخطط السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي، فعلى سبيل المثال تستخدم شركة أرامكو منصة الذكاء الصينية DeepSeek في معالجة البيانات الخاصة بالشركة، كما يتم الاعتماد على شركة هواوي الصينية في دعم شبكة الاتصالات السعودية، كما تنشط شركة "علي بابا" الصينية في إنشاء مراكز للحوسبة السحابية، كما تعمل الشركتان الصينيتان "Shanghai Lummington" و"China Mobile International" في بناء مراكز بيانات ضخمة في الرياض وجدة، وأخيرًا تستقبل "جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا" العديد من الطلاب الصينيين للدراسة بها.
وفي محاولة لمزاحمة النفوذ الصيني في مجال تصدير الذكاء الاصطناعي وافقت إدارة الرئيس ترامب في مايو 2025 خلال زيارته للسعودية على تصدير رقائق Nvidia للمملكة، إلا أنها حاليًا لم تنفذ الاتفاقية تحسبًا لاحتمالية وصول الصين إليها، لذا ترغب واشنطن في الحصول على ضمانات كافية من الرياض تضمن عدم انتهاك الملكية الفكرية أولًا وعدم وصول الصين إلى تلك الرقائق.
أما في مجالات الدفاع فنتيجة توتر العلاقات السعودية–الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن اندفعت المملكة نحو السوق الصينية في المجالات الدفاعية من خلال شراء منظومات دفاع جوي وصواريخ باليستية ومسيرات من شركات صينية في عام 2022 وذلك بقيمة 4 مليارات دولار، وفي عام 2024 شاركت ثلاثون شركة صينية في معرض الدفاع العالمي بالرياض، كما شاركت في المعرض بعرض جوي نفذته مقاتلات "J-10" وهو ما يعد أول عرض جوي من تلك الفئة من المقاتلات خارج الأراضي الصينية.
ختامًا:
تقدم الورقة التي أعدتها روملي عدة توصيات عاجلة للإدارة الأمريكية لإتمام محاصرة النفوذ الصيني في السعودية، أبرزها تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى السعودية مع اشتراط طرد جميع الموظفين والشركات الصينية العاملة في ذات المجال من السعودية، أما في مجالات الدفاع فينبغي حصول ترامب على تعهدات قوية من الجانب السعودي تضمن عدم استيراد معدات صينية متطورة تفوق نظيرتها الأمريكية، وعدم تواجد تلك المعدات في القواعد التي تستخدمها الولايات المتحدة، وحظر تواجد الصينيين بها، وتستشهد الكاتبة في ذلك الأمر بالنجاح الأمريكي–الياباني في طرد شركة هواوي الصينية من شبكات الجيل الخامس في السعودية.



