رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في عصر «تيك توك» ومملكة «ويجز».. خبراء يحللون تغير نمط الاستهلاك الثقافي

أرشيفية
أرشيفية

خبراء علم نفس واجتماع:

المقاهي مليئة بمشاهد انفصال بين الواقع والمسموع والمرئي.. والشباب يعيش الحدث لمجرد التفاعل 

الأغاني السريعة تمثل انعكاسًا مباشرًا لاضطراب الهوية الشخصية المصرية

 انجذاب الشباب إلى «ويجز» عزز صورة "التمرد الاجتماعي" أمام نماذج الثراء والدلال الطبقي

 المحتوى السريع أسهم بشكل مباشر في إحداث حالة من التسيب القيمي

 

الأسرة والمجتمع يعيشان حالة من التفكك الرمزي نتيجة سيطرة الشاشات على تفاصيل الحياة اليومية


الجيل الحالي يعيش إيقاعًا متسارعًا والفرد لم يعد يمنح انتباهه لأي محتوى يتجاوز الدقيقتين

 

 

 

تحولات لا آخر لها طرأت على المشهد  الثقافي العربي اليوم، إذ تغيرت طرق تفاعل الأجيال الجديدة مع الموسيقى والأدب والفنون بشكل جذري، وأصبحت الأغاني أقصر، واهتمامات القراءة محدودة، بينما يسيطر المحتوى السريع على انتباه الشباب، ومع تسارع وتيرة الحياة وانتشار العزلة الرقمية، تواجه الثقافة تحديًا في إعادة تعريف نفسها بما يتماشى مع أساليب التلقي الحديثة، ويعيد النظر في معنى الهوية والقيم في هذا العصر الرقمي.

الهروب السريع

وفقًا للتحولات الاجتماعية اليوم، يمر المشهد  الثقافي العربي بواحدة من أعنف موجات التغيير في تاريخه الحديث، وتوضح الوقائع أن الجيل الجديد لم يعد يتفاعل مع الثقافة بالطريقة التي عرفتها الأجيال السابقة؛ فالأغاني أصبحت أقصر، والقراءة أصبحت فائضًا صعبًا، والمحتوى السريع يلتهم ما تبقى من انتباه.

 وبين ضغط الحياة وصعود العزلة الرقمية، تحاول الثقافة أن تعيد تعريف نفسها في زمن تغيّرت فيه طرق التلقّي والمعنى والهوية.

مراهقة تستمع للموسيقى
مراهقة تستمع للموسيقى

الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، تقول إن المحتوى السريع أسهم بشكل مباشر في إحداث حالة من التسيب القيمي، إذ بات يعتمد على الإبهار اللحظي والسطحية بدلًا من ترسيخ المعاني العميقة.

 وأضافت خلال تصريحات خاصة لموقع «إيجبتك» إن هذا النمط من المحتوى يخلق جيلاً يتعامل مع القيم باعتبارها مادة استهلاكية مؤقتة، ما يؤدي إلى تراجع مفاهيم مثل الصبر، الاحترام، والالتزام، لصالح ثقافة الاندفاع والاختزال.

الثقافة الرقمية

وأشارت إلى أن الثقافة الرقمية أعادت صياغة العلاقات الاجتماعية لتصبح أكثر هشاشة وأقل عمقاً، موضحة أن التواصل الافتراضي حل محل التفاعل الإنساني الحقيقي، ما أنتج علاقات سطحية تفتقر إلى الدفء والمشاركة الوجدانية. 

ولفتت إلى أن الأسرة والمجتمع أصبحا يعيشان حالة من التفكك الرمزي نتيجة سيطرة الشاشات على تفاصيل الحياة اليومية.

الثقافة الرقمية
الثقافة الرقمية

وأوضحت أن ما يحدث ليس اختفاءً كاملًا للأدوار الثقافية، بل تراجعًا في مكانتها لصالح أنماط سريعة الاستهلاك، إذ فقدت الأغنية والرواية والفيلم قدرتها على التشكيل الوجداني طويل المدى، بسبب تمدد ثقافة "الترند" التي تقيس القيمة بعدد المشاهدات لا بجودة المحتوى. وترى أن الأزمات الاقتصادية تنعكس مباشرة على الذوق الفني، إذ يميل الجمهور في أوقات الضغوط إلى الأعمال الخفيفة والسريعة التي توفر له مهرباً نفسياً من الواقع، ما يؤدي إلى تراجع الطلب على الفن الجاد العميق، وظهور أنماط فنية قائمة على الاستهلاك السريع بدلاً من القيمة الثقافية.

العزلة الرقمية

من جانب آخر، أكد الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، أن الجيل الحالي يعيش إيقاعًا متسارعًا في كل تفاصيل حياته، لافتًا إلى أن الفرد لم يعد يمنح انتباهه لأي محتوى يتجاوز الدقيقتين، مشيرًا إلى أن الأمر ذاته ينطبق على الأغاني، إذ لم تعد المقاطع الطويلة قادرة على جذب المستمعين كما كان الحال في الأجيال السابقة، التي اختلفت ظروفها وساحات وقتها بشكل جذري.

وقال خلال تصريحات خاصة لموقع «إيجبتك» إن الأجيال السابقة كانت تمتلك مساحة زمنية أطول للاستماع إلى الإذاعة والتفاعل مع المحتوى الثقافي خلال التنقل والعودة إلى المنازل، بينما أصبح الواقع اليوم مغايرًا تمامًا مع هيمنة الأقمار الصناعية والمنصات الفضائية وانتشار تطبيقات مثل "تيك توك" ومواقع التواصل الاجتماعي بكثافة غير مسبوقة، ما أسهم في تغير نمط الاستهلاك الثقافي بصورة واضحة.

العزلة الرقمية
العزلة الرقمية

وأشار إلى أن سرعة تلقي المعلومات شهدت تحولًا جذريًا، إذ بات الفرد يستقبل في دقائق ما كان يحتاج إلى ساعات للحصول عليه سابقًا، مؤكدًا أن هذا التسارع خلق حالة من العزلة الرقمية التي أثرت سلبًا على الإنسان في مختلف أنماط حياته، سواء في الاستماع للموسيقى أو القراءة أو غيرها، وهو ما يُعد ظاهرة عالمية لا تقتصر على مجتمع بعينه.

وأوضح أن الحكومات بدأت تستشعر خطورة هذا التحول، فاتجهت إلى تقديم الكتب الإلكترونية والملخصات السريعة استجابة لنزعة الجمهور الباحث عن كل ما هو مختصر وسريع، كي يتمكن من مواكبة نمط الحياة المتغير والتكيف معه.

 تحول الثقافة إلى محتوى سريع

وحذر فرويز، من أن تحول الثقافة إلى محتوى سريع قد يؤدي إلى ما وصفه بـ"تعفن دماغي"، موضحًا أن هذا النمط يشكل خطرًا حقيقيًا على الدماغ، وقد جرى الاعتراف به في بعض الدول مثل إنجلترا كمشكلة مؤثرة على الصحة العقلية، لافتًا إلى أن الحركات السريعة والمحتوى المتدفق باستمرار يضر بالخلايا العصبية ويؤدي إلى ضعف في التعلم والتركيز ونقص ملحوظ في الانتباه.

ونبه إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت نمط الانتباه لدى الأطفال والمراهقين بصورة مقلقة، مؤكدًا أن الجيل القادم قد يكون أكثر هشاشة وتأثرًا من الجيل الحالي إذا استمر هذا النمط من الاستهلاك دون وعي أو ضوابط، مشددًا على أن هذه الأزمة تمتد على مستوى العالم بأسره.

المقاطع القصيرة ونسب المشاهدات

وفق دراسة (Metricool) “التحليل الإلكتروني على جوجل”، المقاطع التي تحقق أعلى عدد من المشاهدات على TikTok يبلغ متوسطها حوالي 54 ثانية في 2023. وهناك أيضًا بيانات تشير إلى أن متوسط طول فيديو TikTok للمستخدمين الكبار (حسابات كبيرة) قد يصل إلى 47 ثانية تقريبًا.

 من جهة أخرى، فيما يخص YouTube، بعض المصادر تشير إلى أن طول متوسط الفيديو قد يصل إلى حوالي 11.7 دقيقة في بعض الاستخدامات المكتبية / التقليدية.

نسب مشاهدات تيك توك مقارنة بـ يوتيوب
نسب مشاهدات تيك توك مقارنة بـ يوتيوب

ولكن في المحتوى الاجتماعي أو المحتوى الأصغر، توجد توصيات لطول أقصر جدًا (مثلاً السكورتس)،  بعض المنصات توصي بمدة تتراوح بين 1-15 ثانية للمنشورات القصيرة جدًا.

 في الواقع، العكس هو ما تبينه بعض الدراسات الحديثة، على TikTok، متوسط طول الفيديو للحسابات الكبيرة ارتفع (من حوالي 40 ثانية إلى نحو 47 ثانية) حسب دراسة Metricool.

وهذا يشير إلى أن المنصة لا تكتفي بالمحتوى الفائق القصر فقط، بل تحاول السماح بمحتوى أطول، ربما لتحقيق توازن بين سرعة الاستهلاك وتجربة أعمق، من الناحية الإعلانية، توسيع مدة الفيديو يمكن أن يخدم المنصات (مثل TikTok) لزيادة عائد الإعلانات، لأن الفيديوهات الأطول تتيح مساحات أكبر لإدراج الإعلانات. 

صناعة الموسيقى والثقافة الرقمية

مع ذلك، غالبًا ما تبقى النصيحة الإنتاجية أن تكون مقاطع الفيديو قصيرة بما يكفي للحفاظ على الانتباه، خاصة عند استخدام المنصات القصيرة، وغالبية مستخدمي TikTok هم من الشباب، حوالي 36.2% من المستخدمين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عامًا، وحوالي 33.9% بين 25-34 عامًا حسب تقرير حديث، وبالتالي أكثر من 70% من مستخدمي TikTok يقعون ضمن الفئة العمرية من 18 إلى 35 سنة تقريبًا.

 مع ذلك، هناك توسع في الفئات الأكبر سنًا، فئة 35-44 سنة تشكل نسبة متزايدة من المستخدمين، من دراسة حديثة من"مركز بيو للأبحاث الرقمية" أيضًا، نسبة كبيرة من الشباب (18-34) هم مستخدمون نشطون جدًا لمنصة TikTok.

وينعكس ذلك على صناعة الموسيقى والثقافة الرقمية، حيث تتجه الموسيقى نحو القصر والترند، بما أن المستخدمين يشيعون مقاطع قصيرة، يُفضَّل إنتاج مقاطع موسيقية أو أجزاء من أغاني قابلة للقطع والتكرار بسهولة (مقدمة أغنية، كورَس، لحن سريع) لكي تصبح مواد قابلة للانتشار السريع (ترند).

الترند على منصات التواصل الاجتماعي
الترند على منصات التواصل الاجتماعي

كما ازدادت أهمية “الميكرو ترندات”، إذ صمم الفنانون والمنتجون موسيقى للتحديات (challenges) على TikTok، ما يساعد الأغاني في الانتشار الفيروسي، وأيضًا ظهر إنتاج محتوى يجمع بين الدراما والموسيقى “ميكرو دراما”، ما يدلّ على تقاطع سرد القصص والموسيقى لتعزيز التفاعل.

وتتيح المنصات الرقمية فرص دمقرطة الإنتاج، فصغار الفنانين أو المبدعين لديهم فرصة أكبر للوصول إلى جمهور واسع، ولم يعد بالضرورة أن يحتاجوا إلى إنتاج مكلف جدًا. كما يتحول الذوق الثقافي إلى ما يُعرف بـ“الثقافة الرقمية اللحظية”، حيث يعتاد الجمهور على التنوع السريع والمفاجآت، ما يضغط على الفنانين للابتكار في أشكال أكثر تنوعًا وأقل تقليدية.

ولا توجد الكثير من التقارير التفصيلية التي تجمع بيانات موثوقة حديثة جداً (2024-2025) لتصنيف موضوعات الفيديو في العالم العربي، لكن يمكن استنتاج بعض الاتجاهات من المراقبة والتقارير العامة.

ويجز وتأثيره على الشباب

ومن جانبه، أكد الدكتور وليد هندي، أستاذ الصحة النفسية، أن ظهور مطرب الراب ويجز يمثل إحدى أبرز الظواهر في تاريخ الموسيقى والغناء المصري المعاصر، لافتًا إلى أنه الأصغر سنًا بين النجوم الذين حازوا هذا القدر من الانتشار، حيث لم يتجاوز عمره 23 عامًا، ومع ذلك استطاع أن يحقق جماهيرية جارفة تجاوزت مشاهدات بعض أغانيه 11 مليون مشاهدة، ما يعد مؤشرًا واضحًا على تحولات نفسية وسلوكية لدى شريحة واسعة من الشباب.

وقال في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» إن جمهور ويجز ينتمي في معظمه إلى الفئة العمرية ما بين 11 و26 عامًا، وهي الفئة التي شهدت اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة منذ أحداث يناير 2011 وما تبعها من فراغ أمني وصراعات مجتمعية، مؤكدًا أن هذا الجيل نشأ في مناخ مضطرب انعكس على توازنه النفسي، ما جعله أكثر قابلية لتلقي أنماط فنية تعبر عن حالة من الارتباك والهذيان اللفظي غير المنضبط بالمعنى أو القيمة.

ويجز
ويجز

وأشار إلى أن هذا النوع من الغناء أصبح يمثل نسق حياة للشباب، حيث باتت المقاهي تعج بمشاهد انفصال بين الواقع والمسموع والمرئي، فالشاشات تعرض محتوى مختلفًا عما يُسمَع، والأحاديث تغيب لتحل محلها حالة من العزلة الجماعية، موضحًا أن الشباب باتوا يعيشون الحدث لمجرد التفاعل دون وعي حقيقي بالمضمون، في مشهد يعكس تغلغل العزلة النفسية والاجتماعية.

اضطراب الهوية الشخصية المصرية

وأكد هندي أن انتشار هذا النمط الغنائي يمثل انعكاسًا مباشرًا لاضطراب الهوية الشخصية المصرية، التي تخلت عن مكوناتها الأصيلة من الفكر والوجدان والقيم، نتيجة التفكك الأسري وغياب الرقابة والتنشئة السليمة، ما دفع الشباب للالتحام بهذا اللون من الغناء باعتباره متنفسًا نفسيًا يعبر عن تمردهم وقلقهم الوجودي.

لفت إلى أن هذه الظاهرة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة بدأت بأغاني المهرجانات، ولن تكون النهاية، بل تمهيدًا لمراحل أكثر انحدارًا في الذوق العام، مشيرًا إلى أن ما يُروَّج له عبر ثقافة "الزومبي" ومصطلحات السوشيال ميديا أصبح أسلوب حياة لدى الشباب، يتجلى في اللغة والسلوك والمظهر.

نبه الدكتور وليد هندي إلى أن التقارب العمري واللغوي بين ويجز وجمهوره، وطريقة ملابسه وأسلوب حياته، أسهمت في خلق حالة من الحميمية النفسية والتوحد الوجداني، خاصة مع تراجع كبار النجوم عن التفاعل مع منصات التواصل، ما فتح المجال لهذا الجيل لاختراق وجدان الشباب والسيطرة على مساحة تفكيرهم ومشاعرهم.

 تعميق فقدان الهوية

وأوضح أن تجديد المفردات الغنائية واستخدام لغة العصر مثل “المزة” و“الغزالة” جاء في مقابل خطاب شعري تقليدي فقد قدرته على التأثير، ما منح هذا اللون الغنائي قوة جذب إضافية، مدعومة بحملات تسويقية ضخمة من شركات راعية وسوشيال ميديا ومحتوى بصري مكثف، حولت هذه الظاهرة إلى صناعة متكاملة قادرة على تشكيل وعي الشباب.

حذر “هندي” من الآثار النفسية المترتبة على هذا النمط، والتي تتجلى في تعميق فقدان الهوية، وتسطيح الفكر، والانشغال المستمر، واضطراب التوازن الحركي والانفعالي، وارتفاع معدلات التوتر والعصبية، فضلًا عن تقليد سلوكيات مظهرية قد تمتد إلى تعاطي الكحوليات، كما حدث في بعض الحفلات العامة.

فقدان الهوية
فقدان الهوية

واختتم بالتأكيد على أن انجذاب الشباب إلى ويجز لا ينفصل عن خلفيته الشعبية وانتمائه لمنطقة الورديان بالإسكندرية، ما عزز صورة "التمرد الاجتماعي" أمام نماذج الثراء الفج والدلال الطبقي، فوجد فيه الشباب مرآة لأحلامهم وصراعاتهم، وهو ما يفرض على المؤسسات التربوية والثقافية إعادة النظر في أدواتها لحماية الهوية النفسية للأجيال القادمة.

الثقافة الرقمية السريعة 

تشير الوقائع والدراسات الحالية إلى أن المشهد الثقافي العربي يمر بمرحلة فاصلة بين التقاليد الفنية والقيمية القديمة، والثقافة الرقمية السريعة التي تعيد تعريف طرق التلقي والهوية، ويؤكد الخبراء أن الشباب أصبحوا أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى القصير والترندات الرقمية، ما انعكس على القيم، العلاقات الاجتماعية، وحتى الصحة النفسية.

وتبرز ظواهر مثل صعود مطرب الراب ويجز كأحد أبرز مؤشرات التحولات النفسية والثقافية، إذ يعكس تفاعله مع الجمهور الفجوة بين الأجيال وتغير أنماط الاستهلاك الفني، ومع استمرار انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتطور المحتوى الرقمي، تظل التحديات قائمة أمام الأسرة والمجتمع والمؤسسات التربوية والثقافية، لتطوير أدوات حماية الهوية النفسية وضمان توازن الشباب بين الانغماس في العالم الرقمي والحفاظ على القيم والمعاني العميقة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء