الصراع على غاز شرق المتوسط: بين الخلافات الإقليمية والإرث الاستعماري
ينقسم البحر المتوسط من الناحية الجغرافية إلى قسمين: أحدهما شرقي والآخر غربي، وتفصل المنطقة الضحلة الممتدة بين جزيرة صقلية في إيطاليا وبين تونس شرقَ المتوسط عن غربه. حظي القسمان بالأهمية السياسية والجغرافية، فكلاهما مشرف على مضايق بحرية؛ "مضيق جبل طارق" في أقصى الغرب و"قناة السويس" في أقصى الشرق، إلا أن التعقيدات السياسية والاقتصادية في شرق المتوسط ساهمت بشكل ملحوظ على مدار الزمن في جعله من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.
فقديمًا لعب البحر المتوسط دورًا كبيرًا في رسم الأطر التفاعلية بين الدول والحضارات التي نشأت على سواحله المترامية والممتدة بين قارات العالم القديم: إفريقيا وآسيا وأوروبا. فطالما كان "المتوسط" مهدًا لأغلب الحضارات الإنسانية التي عرفها العالم إلى اليوم، فعلى سواحله نشأت الحضارة الفرعونية والفينيقية والهيلينية والرومانية والإسلامية وأخيرًا الحضارة الأوروبية الحديثة، وكان أيضًا ميدانًا للامتزاج والتلاقح بين تلك الحضارات.

معركة أكتيوم البحرية
ومثلما احتل المتوسط حيزًا مهمًا في التراث الإنساني، شغل أيضًا حيزًا لا بأس به في الصراعات والحروب بين الدول والحضارات المحيطة به؛ فكانت السيطرة على المتوسط منذ قديم الأزل إيذانًا بسقوط حضارة أو دولة كبرى، وميلادًا لدولة وحضارة أخرى. ولم تتوانَ حضارات المتوسط المتعاقبة في السيطرة على الملاحة فيه.
فعلى سبيل المثال كانت "معركة أكتيوم البحرية – 30 ق.م" إيذانًا بانتهاء دولة البطالمة وبداية عصر الدولة الرومانية. أما معركة "ذات الصواري"، التي دارت رحاها بالقرب من السواحل الشمالية المصرية، فكانت إيذانًا بأفول الحضارة الرومانية وبداية سيادة وهيمنة الحضارة العربية الإسلامية على البحر المتوسط خلال العصور الوسطى.
أبي قير البحرية
ومع بواكير العصر الاستعماري شهد البحر المتوسط تنافسًا محمومًا بين القوى الاستعمارية التقليدية حول السيطرة على خطوط الملاحة فيه، خاصة مناطق شرق المتوسط. ونجحت بريطانيا في إقصاء غريمتها التقليدية عن الخطوط الملاحية في شرق المتوسط عبر سلسلة من الإجراءات بدأت أولها بتحقيق الانتصار الحربي في معركة "أبي قير البحرية" في أغسطس 1798 بين الأسطولين البريطاني والفرنسي، وممارسة المزيد من الضغوط على الحملة الفرنسية التي احتلت مصر خلال الفترة من 1798 ـــ 1801.

ولم تكتفِ بريطانيا بذلك، بل عملت على احتلال الولايات العثمانية المطلة والمتحكمة في منطقة شرق المتوسط التي تزايدت أهميتها بعد افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869. ففي يونيو 1878 وقعت بريطانيا والدولة العثمانية معاهدة تُمنح بموجبها بريطانيا السيطرة على جزيرة قبرص مقابل الدعم البريطاني للدولة العثمانية في حربها ضد روسيا القيصرية. ولعل تلك الاتفاقية كان لها أثر بالغ على الخريطة الجيوسياسية لمنطقة شرق المتوسط؛ فانطلاقًا من التواجد البريطاني في قبرص عملت لندن على جعل شرق المتوسط محمية خاصة، ففي ديسمبر 1882 تمكنت من احتلال مصر، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى فرضت حمايتها على فلسطين.
يتضح من الاستعراض السريع السابق لتطور التعاون والصراع في البحر المتوسط أنه جاء في إطار جيوسياسي في المقام الأول واقتصادي في المقام الثاني، حيث تمخض الصراع الاقتصادي فيه عن السيطرة على الخطوط الملاحية، وبرز في هذا الاتجاه الجمهوريات البحرية الإيطالية (بيزا – جنوة – البندقية) في العصور الوسطى التي دخلت في معارك شتى لأجل السيطرة على خطوطه الملاحية.
الصراع الاقتصادي في شرق المتوسط
ظل الصراع الاقتصادي في شرق المتوسط منحصرًا في السيطرة على خطوطه الملاحية، إلا أنه مع بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة تغيرت الملامح الاقتصادية للمنطقة، حيث بشرت المسوح الجيولوجية دول الإقليم باحتواء منطقة شرق المتوسط على احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي كفيل بإنعاشها ماليًا وطاقويًا. فقد قدّرت هيئة المسوح الجيولوجية الأمريكية في عام 2010 احتمال وجود 122 تريليون قدم مكعب من الغاز غير المكتشف في المنطقة، مما دعا العديد من دول الإقليم كمصر وقبرص واليونان وإسرائيل وتركيا للاستبشار بمستقبل أكثر ثراءً.

ورغم مبشرات المسوح الجيولوجية، فإن ثمة صراعات وربما حروباً وشيكة قد تندلع بين دول المنطقة في ظل عدم التوافق حول ترسيم الحدود البحرية بين الأطراف ورغبة العديد من الدول في الاستئثار بأكبر قدر من الاحتياطي غير المكتشف، وهو ما تجلى في التحركات التركية الأخيرة قبالة السواحل الغربية القبرصية.
مبدئيًا، عوامل الصراع والتوتر في منطقة شرق المتوسط متوافرة، ولا ينقصها سوى بعض الاندفاع السياسي لإشعال المنطقة وتحويل الثروات المكتشفة من نعمة لدول الإقليم إلى نقمة تذهب بالأخضر واليابس. وتتمحور تلك العوامل في عدم ترسيم دول الإقليم لحدودها البحرية، خاصة المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، في ظل تقابل وتلاصق سواحل دول المنطقة؛ فمن بين نحو عشر دول في شرق المتوسط لم تُسَوَّ الحدود البحرية إلا بين مصر وقبرص من ناحية، وقبرص وإسرائيل من ناحية أخرى.
وبالإضافة إلى العامل القانوني في إذكاء التوتر بين الدول، تبرز عوامل أخرى من شأنها زيادة التوتر، مثل الصراعات التاريخية التي يعود بعضها إلى قرون ماضية كالصراع بين تركيا واليونان ومسألة ترسيم الحدود عقب اتفاقية لوزان 1923. ومن ضمن تلك العوامل الصراعات الإثنية البارزة بشكل أوضح في الجزيرة القبرصية. وهناك أيضًا عامل مهم في إذكاء التوتر.

يمكن تقسيم الأطراف الفاعلة في منطقة شرق المتوسط إلى ثلاث فئات رئيسة:
أولها: دول التكتل التعاوني التي نجحت عبر التفاهمات البينية في تدشين "منتدى غاز شرق المتوسط" كخطوة دافعة لتعزيز التعاون البناء بين تلك الدول، ويضم المنتدى دول (مصر، قبرص، اليونان، إسرائيل، إيطاليا، فلسطين "السلطة الوطنية – الضفة الغربية"، وأخيرًا الأردن)، وتم اختيار القاهرة مقرًا له مع فتح الباب أمام العديد من الدول للانضمام.
أما الفئة الثانية فتتمحور حول تركيا و"قبرص الشمالية ـــ غير المعترف بها دوليًا سوى من تركيا"، وتنتهج دول هذه الفئة طبيعة صدامية مع بقية دول الإقليم، زاعمة أن احتياطات الغاز تقع في جرفها القاري.
أما الفئة الثالثة فتضم سوريا ولبنان وفلسطين "قطاع غزة المسيطر عليه من حماس"، فهذه الدول لم تُصدر إجراءات رسمية إزاء التنقيب في شرق المتوسط واستغلال ثرواته، واكتفت بإصدار بيانات تطالب فيها بحقوقها في الغاز الطبيعي.

إذًا، نحن أمام ملف مليء بالتشابكات السياسية والاقتصادية والقانونية، وقد يتغير نمط التحالفات فيه بين الحين والآخر تبعًا للتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة من صراعات وتحولات سياسية كبرى، فضلًا عن دور القوى الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي ومدى تأثيرها على خريطة التفاعلات السياسية في المنطقة. لذا ستدور الدراسة التي نحن بصددها حول الكشف عن احتمالات التعاون والصراع بين دول المنطقة، وكيفية تعزيز وترجيح كفة التعاون، وفي المقابل كيفية تصفير عوامل التوتر واحتمالات الصراع.
ختامًا:
يتضح من هذا الاستعراض أن منطقة شرق المتوسط تمثل نقطة تلاقي للتاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وأن ثروتها من الغاز الطبيعي قد حولت المنطقة إلى حلبة تنافس حاد بين الدول الإقليمية والدول الكبرى. فالتشابكات السياسية، والخلافات القانونية حول ترسيم الحدود البحرية، والصراعات التاريخية والإثنية، إضافة إلى التحركات الأحادية لبعض الأطراف مثل تركيا، كلها عوامل تجعل احتمالات اندلاع صراعات أو حروب محتملة قائمة.
مع ذلك، يظهر أيضًا أن أطر التعاون الإقليمي، مثل منتدى غاز شرق المتوسط، توفر بوادر لنهج تشاركي يمكن أن يحقق مصالح متبادلة ويحد من التوترات. ومن ثم، فإن مستقبل المنطقة مرهون بقدرة الأطراف الإقليمية والدول الكبرى على إدارة الخلافات بشكل مدروس، وتعزيز أطر التعاون، وخلق توازن بين المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. وإلا فإن الثروات المكتشفة، التي يمكن أن تكون نعمة للتنمية، قد تتحول إلى مصدر للصراعات المستمرة وعدم الاستقرار الإقليمي.



