رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليس عندي شك ان وزارة الزراعة هي  قلب مصر النابض ، فإذا صلحت صلحت معها أحوال المصريين جميعا،  ونجاحها في إدارة الأرض والمياه والبذور والثروة الحيوانية يعني وفرة في الغذاء وانخفاضا في الأسعار، وتحسنا في صحة المواطنين وارتفاعًا في مستوى معيشة المصريين جميعا.

 
فالمؤكد أنه عندما تؤدي وزارة الزراعة  مهامها بكفاءة فسوف ننعم بحياة أكثر رخاء واستقرارا، ويتحقق الأمن الغذائي الذي يعد أساس الأمن القومي ذاته.


واذا كان الغرض  من كتابة هذه السلسلة من المقالات " قوة مصر العلمية " قد استهدفت تسليط الضوء على قدرات بلدنا العلمية وما تمتلك من خيرة علماء الأرض في كافة المجالات، فإن كيانا كبيرا وضخما كوزارة الزراعة يُعد واحدا من تلك الصروح العلمية التي تعمل على تحسين مستوى معيشة وغذاء المصريين بخبرات وبحوث علماء بفضلهم تفوقت مصر على دول عظمى في إنتاج السلع الأساسية من خضر وفاكهة تغزو أسواق العالم منذ سنوات.

وفي المقابل عندما غفلت وزارة الزراعة وتقلص دورها خلال حقب من الفساد خسرنا الكثير من مقدراتنا التي لم يكن لنا منافس فيها، كالقطن، فصلاح الزراعة ليس مجرد تحسين لقطاع اقتصادي، بل هو الشرط الأول لازدهار المجتمع واستدامة موارد الوطن.

وتتحمل الوزارة مسئولية صياغة وتنفيذ السياسات الزراعية في مختلف مجالات الإنتاج النباتي والحيواني والسمكي، ووضع التركيب المحصولي الملائم، إلى جانب دورها في استصلاح وتنمية الأراضي، والتوسع في الرقعة الزراعية عبر مشروعات استصلاح الصحاري، وحماية الأراضي القديمة من التعديات والتدهور. 

كما تقوم الوزارة بدعم منظومة البحث والإرشاد الزراعي لإنتاج أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للآفات، ونقل أحدث التقنيات إلى المزارعين، إضافة إلى إدارة الموارد الطبيعية عبر ترشيد استخدام مياه الري وتطوير نظمه الحديثة، والحفاظ على التربة والتنوع البيولوجي.

 وتشرف الوزارة أيضا على تطوير الثروة الحيوانية والداجنة من خلال خدماتها البيطرية، ومكافحة الأوبئة والأمراض، وتمثيل مصر في المحافل الدولية المرتبطة بالقطاع الزراعي وتعزيز الصادرات الزراعية التي تشكل اليوم نسبة تزيد على 17% من حجم الصادرات المصرية.

وتعتمد الوزارة على شبكة واسعة من الهيئات والمراكز البحثية والعلمية التي تعد ذراعها الأساسية في تنفيذ خطط التنمية، وعلى رأسها مركز البحوث الزراعية الذي يُعد المؤسسة العلمية الأولى في هذا المجال، إذ يجري البحوث التطبيقية في المحاصيل والتربة والمياه والإنتاج الحيواني، وينتج التقاوي المحسنة والمعتمدة. 

كما تضطلع الهيئة العامة للإصلاح الزراعي بإدارة الأراضي التي آلت للدولة بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، بينما تختص الهيئة العامة للخدمات البيطرية بحماية الثروة الحيوانية والرقابة على المجازر والمنتجات الحيوانية، وتقوم الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية بإدارة المصايد والمزارع السمكية، فيما ينفذ جهاز مشروعات التنمية الشاملة مشروعات تنمية ريفية وزراعية متكاملة، وتتعاون الهيئة القومية لسلامة الغذاء مع الوزارة لضمان تطبيق معايير السلامة الغذائية على طول السلسلة الغذائية.

لكن ورغم القدرات الهائلة لمنظومتي الإنتاج الحيواني والداجني والاستزراع السمكي، فإن هذه المنظومة لم تستطع حتى الآن تحقيق الاكتفاء الذاتي أو حتى المساهمة في خفض الأسعار أو تحقيق منافسة بإنتاج وفير يصب في صالح خفض الأسعار.


وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنظومة في ضمان الأمن الغذائي وتوفير غذاء آمن ومستدام للمواطنين، ودعم الاقتصاد الوطني عبر مساهمة الزراعة في الناتج المحلي وتنشيط الصادرات، فضلًا عن توفير فرص عمل بالمناطق الريفية، وتحسين مستوى معيشة المزارعين، والحفاظ على الموارد الطبيعية في مواجهة التغيرات المناخية والزيادة السكانية.


ورغم الدور المركزي للوزارة، فقد ارتبط اسمها خلال حقبة معينة باتهامات أثارت جدلًا واسعا، خاصة خلال فترة تولي الدكتور يوسف والي لوزارة الزراعة لما يزيد عن 22 عاما متواصلة.


اتهم والي بأشنع تهمة وهي توريط الوزارة في "التطبيع الزراعي" مع دولة العدو عبر استقدام خبراء صهاينة  - تشير بعض المصادر إلى أنهم قاربوا ألفي خبير - إضافة إلى اتهامات بالسماح بدخول مبيدات مسرطنة ومحظور تداولها دوليًا ، وقد عم الفساد بالفعل داخل الوزارة طوال تلك الفترة.
 

وانتهت هذه الاتهامات إلى محاكمات طالت عددًا من مسؤولي الوزارة، بينهم وكيل أول الوزارة ورئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي الاسبق يوسف عبد الرحمن، صدرت أحكام ضد عدد آخر من مسؤولي الوزارة وأدينوا بأحكام متعلقة بالرشوة والإضرار بالمال العام، فيما ظل الجدل قائما حول مدى ارتباط تلك القضايا بشكل مباشر بملف المبيدات المسرطنة. 

وتشير تصريحات بعض الوزراء اللاحقين إلى أن مبيدات ضارة دخلت بالفعل البلاد وأدين على إثرها تسعة مسؤولين، لكن دون إدانة مباشرة ليوسف والي في هذا الملف تحديدًا.

وكان من نتيجة تلك الفترة هو تعرض محصول القطن المصري - رمز الهوية الزراعية في مصر – لما يشبه المؤامرة فتدهور إنتاج القطن المصري طويل التيلة  وغيابه عن الأسواق العالمية لسنوات نتيجة التخلي عن دعم وتسويق المحصول منذ منتصف التسعينيات، وربط زراعة  القطن بتعاقدات مسبقة أثقلت كاهل المزارعين، إضافة إلى شبهات خلط البذور النقية بأخرى أجنبية أقل جودة، مما أضر بالسمعة العالمية للقطن المصري طويل التيلة. 


كما ساهم ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب سياسة واضحة لتطوير الأصناف، إلى جانب فتح باب الاستيراد على مصراعيه، في تراجع المحصول ، لكن  "الحمد لله" بدأت الدولة مؤخرا إعادة إحياء زراعة القطن من خلال تفعيل الزراعة التعاقدية وتحديد أسعار ضمان للمزارعين فتوسعت مساحات زراعته ، وتطورت صناعة الغزل والنسيج.

وفي مقابل هذا الإرث المعقد، يبرز الدور العلمي المتقدم لمعهد بحوث المحاصيل الحقلية، الذي يمثل رأس الحربة في جهود تطوير محصول القمح المحصول الاستراتيجي الأول في مصر. 

يركز المعهد على استنباط أصناف تحقق إنتاجية أعلى، ومقاومة قوية لأمراض الصدأ، وقدرة على التكيف مع الملوحة وارتفاع درجات الحرارة وكفاءة في استخدام المياه ، ونجح خلال العقود الماضية في تطوير أصناف أحدثت نقلة كبرى مثل “جيزة 171” و“سدس 14” و“مصر 1 و2 و3” و“سخا 95” و“جميزة 12”، وهي أصناف أسهمت في رفع إنتاجية الفدان إلى مستويات تنافس عالميًا، وساعدت على تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتوفير عملة صعبة كانت ستذهب للاستيراد، كما جعلت مصر واحدة من الدول الرائدة في تربية أصناف القمح الملائمة للمناخات الحارة والجافة.

وفي المحصلة  تمثل وزارة الزراعة ومنظومتها البحثية والإنتاجية مركز الضمان  الحقيقي لغذاء المصريين، إذ تجمع تلك المراكز خبراء على أعلى درجة من العلم والتخصص، كلٌ في مجاله، ويجتمع فيها الماضي بإرثه وآمال المستقبل بفرصه، لتبقى الزراعة حجر الأساس في أمن مصر واستدامة مواردها وحياة سكانها شرط أن تبقى بعيدة عن المؤامرات ويتجنبها الفساد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء