بالتزامن مع تدهور الوضع الميداني للجيش الأوكراني على طول خط الجبهة، عادت واشنطن لتدفع نحو التسوية من جديد. تقارير حول مبادرة أمريكية جديدة لإنهاء الحرب ظهرت في مواقع مثل أكسيوس وفايننشال تايمز.
أخذت المبادرة المكونة من 28 نقطة في الاعتبار كافة الشروط الروسية تقريبا لإنهاء الحرب هذه المرة.
حيث نصت على انسحاب الجيش الأوكراني مما تبقي من أراضي تحت سيطرته في مقاطعات الدونباس، مقابل انسحاب الجيش الروسي من الأوكرانية التي لم تضمها موسكو، وأيضا تنازل روسيا عن المطالبة بانسحاب الجيش الأوكراني مما تبقي من خيرسون وزابوريجيا.
المبادرة أيضا تتضمن بنود تقلص تعداد الجيش الأوكراني وتنزع أسلحته طويلة المدي، وتزلم أوكرانيا بالتزام الحياد وعدم الإنضمام لأحلاف عسكرية بما في ذلك الناتو، كما يحظر المقترح إرسال قوات أجنبية الي الأراضي الأوكرانية، وفي المقابل الولايات المتحدة ستوفر ضمانات أمنية مكتوبة لكييف وستسمح موسكو بانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي.
مقترح الاتفاق يفرض أيضا على أوكرانيا استعادة اللغة الروسية كأحد اللغات الرسمية للبلاد، والتوقف عن اضطهاد الكنيسة الارثوذكسية الروسية.
كما نري ملامح المبادرة الأمريكية مصممة لإرضاء الجانب الروسي وضمان موافقته في حين لا تراعي إطلاقا الموقف الأوكراني والأوروبي، وحتى موقف الدولة العميقة الأمريكية التي لا ترغب في منح روسيا مكاسب بهذا الحجم في أوكرانيا، ولعل الاستقالة المرتقبة للمبعوث الأمريكي لأوكرانيا الجنرال كيث كيلوج خير دليل علي عدم رضاء كبير داخل بعض أروقة الدولة الأمريكية حيال مبادرة ترامب الأخيرة ذات الصلة بالتسوية الأوكرانية.
وتؤكد التقارير أن المبادرة الأمريكية تم اعدادها من جانب ستيف ويتكوف نائب الرئيس جي دي فانس وآخرين بالتشاور فلاديمير مدينسكي مع مساعد الرئيس الروسي، الذي ترأس وفد موسكو خلال جولات مفاوضات إسطنبول الأخيرة مع الجانب الأوكراني.
اهتمام واشنطن بالتشاور مع موسكو واستبعادها للجانبين الأوكراني والأوروبي مؤشر على إمكانية توجه ترامب نحو خيار فرض التسوية على كييف، لاسيما وأن محاولاته الأخيرة للضغط على روسيا باءت بالفشل. وهناك شواهد توحي بنية واشنطن زيادة الضغط على كييف، حيث الغي ويتكوف لقاء كان مخطط له مع فلوديمير زيلينسكي في إسطنبول، وذلك بسبب رغبة الرئيس الأوكراني استعراض أفكار للتسوية من المعلوم أن موسكو لن تقبلها.
توقيت المبادرة يأتي أيضا في ظل تقدم روسي كبير على كافة الجبهات تقريبا، حيث سيطر الجيش الروسي على أغلب مدينة بوكروفسك ويحكم الحصار على ميرناغرد، كما حقق تقدما مفاجئاً على جبهة زابوريجيا، وبات واضحاً أن الجيش الأوكراني علي عكس التوقعات لن يستطيع الصمود لعدة سنوات أخري كما كان يظن الأوروبيون، وبذكر الدول الأوروبية التي تتمسك بضرورة إيجاد تسوية أقل اجحافاً في حق أوكرانيا، فقد وعدت بزيادة الامدادات العسكرية لكييف، وجميعنا رأينا توقيع زيلينسكي وماكرون صفقة عسكرية تشتري بموجبها كييف ١٠٠ طائرة رافال.
ولكن بعيداً عن إنكار الواقع والعالم الافتراضي الذي تعيش في رحاه عواصم أوروبا الوازنة، الحقائق تكشف عكس ما يقال في مجمله، فأوروبا انتاجها العسكري غير كافي للوفاء بحاجات أوكرانيا، وبالفعل خلال عام ٢٠٢٥ انخفضت امدادات السلاح الغربية لأوكرانيا بنسبة بلغت 46% وهو انخفاض كارثي يكاد يبلغ النصف، وأوروبا غير قادرة علي تحمل التكلفة الهائلة لشراء كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر الأمريكية لسد حاجة الجيش الأوكراني بها، وهي الآن منقسمة حول طريقة تأمين موارد من أجل الابقاء علي دعم أوكرانيا، فهناك من يرغب في مصادرة الأصول الروسية المجمدة بالدول الغربية البالغ قدرها 300 مليار دولار واستخدامها لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً وآخرين يرفضون هذا الأمر لأنه ببساطة قد يؤدي لفقدان الثقة التام في الاقتصاديات الأوروبية وانسحاب الكثير من الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية، لاسيما الصينية منها مما قد يؤدي لكارثة اقتصادية في أوروبا.
وفكرة مواصلة دعم أوكرانيا نفسها بات يخفت بريقها مع مرور الوقت، وبكل تأكيد فضيحة الفساد الأخيرة في أوكرانيا التي تورط فيها وزراء العدل والطاقة وعدد من كبار المسؤولين الأوكرانيين أضعفت إدارة الرئيس زيلينسكي وزعزعت ثقة حلفاءه الأوروبيين فيه.
وتخلص قضية الفساد الذي زلزلت أركان اروقة صنع القرار الأوكراني قيام مسؤولين كبار من بينهم وزراء بتقاضي رشي تقدر قيمتها بنحو100 مليون دولار من أجل منح عقود ومناقصات لمقاولين وشركات بعينها. فبالتالي لا نستطيع أن نتجاهل هذه الفضيحة أو نفصلها عن سياق توقيت طرح الولايات المتحدة لهذه المبادرة.
خلاصة القول، المبادرة الأمريكية هدفها إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأوكرانيا وأوروبا الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، أما التفاعل بإيجابية مع مبادرة ترامب والتوجه نحو تبني مسار ينهي هذا الصراع الدموي خلال أسابيع قليلة، أو رفض المبادرة المعروضة
مما سيعيد الأمور مرة أخري لدوامات تصعيد ميداني روسي يقابله عقوبات أمريكية جديدة، وارتفاع للتوترات وربما حتي الاحتكاكات ما بين روسيا وأوروبا وهذا بدوره سيمد أجل الصراع علي نحو يعظم من معاناة أوكرانيا، بل ويهدد الأمن والسلم العالمي في الصميم حيث أن استمرار هذه الحرب في حد ذاته يعزز من فرص الصدام المباشر ما بين روسيا وحلف شمال الأطلسي بما لذلك من تداعيات كارثية بل ووجودية علي سلامة العالم وبقائه.