كوريا الجنوبية تدفع لمواليد المستقبل.. سباق المال مقابل الخصوبة
في مشهد يبدو وكأنه من رواية خيالية، تحولت الشركات في كوريا الجنوبية إلى لاعبين رئيسيين في سباق الخصوبة الوطني، حيث تعرض على موظفيها عشرات آلاف الدولارات لمجرد إنجاب الأطفال، في محاولة لمواجهة أزمة ديموغرافية حادة تهدد البلاد. القصة بدأت العام الماضي حين أعلنت شركة Booyoung للبناء عن مكافأة تصل إلى 100 مليون وون، أي حوالي 72 ألف دولار، لكل موظف يرزق بمولود، وتشمل هذه المكافأة حتى السنوات الثلاث الماضية.
النتيجة كانت فورية وملفتة ارتفع عدد المواليد بين موظفي الشركة إلى 28 طفلاً في عام واحد، وهو رقم كبير مقارنة بالمعدل المعتاد. ما بدأ كمبادرة فردية للشركة، سرعان ما تحول إلى "كرة ثلج" اجتاحت قطاع الأعمال الكوري، إذ دخلت شركات أخرى على الخط. شركة ألعاب الفيديو Krafton عرضت 43 ألف دولار عند الولادة، إضافة إلى دفعات تصل إلى 29 ألف دولار حتى بلوغ الطفل الثامنة، بينما قدمت شركة الصناعات الجوية الكورية مكافآت تبدأ من 7 آلاف دولار للطفل الأول والثاني وتصل إلى 22 ألف دولار للطفل الثالث.
المعادلة الجديدة هنا مختلفة تمامًا، لم يعد "البونس" مرتبطًا بعدد ساعات العمل أو الأداء، بل بعدد الأطفال، ووتحاكي هذه السياسة الجهود الحكومية المكثفة التي تهدف إلى رفع معدل الخصوبة الوطني، والذي بلغ مؤخرًا مستوى مقلقًا عند 0.75 طفل لكل امرأة، وهو الأدنى عالميًا. الهدف الرسمي للحكومة هو الوصول إلى طفل واحد لكل امرأة بحلول عام 2030، رغم أن المعدل المطلوب لاستقرار عدد السكان هو 2.1 طفل لكل امرأة.
السياسات الرسمية تتجاوز المكافآت النقدية
تشمل السياسيات بـ كوريا الجنوبية إعانات مباشرة للعائلات الجديدة، ومساكن شبه مجانية بإيجار شهري لا يتجاوز 22 دولارًا، إضافة إلى دعم سكني يصل إلى 5 آلاف دولار لكل مولود في العاصمة سيول. لكن الخبراء يحذرون من أن الأموال وحدها ليست كافية لعكس الاتجاهات السكانية الحالية، فهم يرون أن الأزمة تحتاج إلى إصلاحات أعمق تشمل ثقافة عمل أكثر مرونة، وتخفيف تكاليف المعيشة في المدن الكبرى، ودعم المرأة في موازنة العمل والأسرة.
ومن بين الإشارات الإيجابية، سجلت كوريا الجنوبية لأول مرة منذ عقد ارتفاعًا بنسبة 7% في معدل الولادة بين يناير ومايو من العام الجاري مقارنة بالعام السابق، كما شهدت معدلات الزواج تحسنًا طفيفًا، ما يضع بعض الأمل في أن تكون السياسات النقدية والجماعية مؤثرة، على الأقل على المدى القصير.
لكن يبقى السؤال الجوهري: هل المال وحده يمكن أن ينقذ أمة بأكملها من الانكماش السكاني؟ أم أن الأزمة تتطلب تغييرًا جذريًا في أنماط الحياة، والممارسات الثقافية، والسياسات الاجتماعية؟ هذه التساؤلات تطرح نفسها بقوة في وقت تتصارع فيه كوريا الجنوبية مع حقيقة شائكة، هي أن مستقبلاً مكتظًا بالأموال لا يضمن بالضرورة مستقبلاً مكتظًا بالأطفال.

