رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بدت لي زيارة وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي إلى أنقرة في 12 نوفمبر 2025، إشارة مضيئة وسط مشهد إقليمي ممتلئ بالتحولات.

 

 فالزيارة تحمل وزنًا سياسيًا يعكس رغبة القاهرة وأنقرة في تثبيت مسار تهدئة بنّاء، قبل الوصول إلى محطة 2026، حيث ينعقد مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في القاهرة، ولهذا حمل وزير الخارجية المصري رسالة خطية رئاسية من الرئيس عبد الفتاح تسلمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقد تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وايضا التحضيرات الجارية لعقد مجلس التعاون الاستراتيجي برئاسة رئيسي البلدين.

 

في الحقيقة، تعد هذه الزيارة تأكيدا على قرار اتخذه الطرفان منذ أشهر وهو إعادة بناء الثقة بطريقة تدريجية لكنها ثابتة.

 

 أنقرة والقاهرة تعرفان تمامًا أن المنطقة لم تعد تحتمل رفاهية الخلاف الطويل، وأن التعاون بات ضرورة أمنية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

 

ويتضح من متابعتي لمسار العلاقات بين البلدين أن الاقتصاد كان دائمًا هو الأكثر عقلانية بين كل الملفات. 

فرغم التوترات السياسية التي مرّت بها العلاقات خلال سنوات مضت، ظل منحنى التجارة في صعود، وبقيت الاستثمارات متدفقة، وكأن لغة السوق تقول للطرفين: “الخلاف سياسي… لكن المصالح باقية”.

 

جاءت زيارة عبد العاطي لتعيد الضوء إلى هذا الملف الحيوي، ولتؤكد أن القاهرة وأنقرة تتعاملان مع الاقتصاد بوصفه ركنًا ثابتًا في العلاقة، وقاسمًا مشتركًا يصعب المساس به. وهذا النوع من التعاون هو ما يبنى عليه أي تحالف استراتيجي حقيقي.

 

في الجانب العسكري، تبدو الصورة أكثر وضوحًا مما كانت عليه في الماضي، حيث برامج التدريب المشترك وتبادل الخبرات لم تعد مجرد خطوات رمزية، بل تعبير عن إدراك مشترك بأن أمن المنطقة مترابط، وأن التحديات من الإرهاب إلى أمن الحدود البحرية تحتاج إلى تنسيق فعلي لا يكتفي بالتصريحات.

 

ما حدث خلال العامين الماضيين من تقارب مصري وتركي وصل لمرحلة التعاون العسكري يثبت أن الطرفين قررا تجاوز مرحلة الحذر التقليدي، والانطلاق نحو شراكة عملية تستجيب للواقع بدل الانشغال بالذاكرة السياسية.

 

أما الملفات الإقليمية، فهي دائمًا الميدان الحقيقي لاختبار نوايا الدول.

في ملف غزة، باتت القاهرة وأنقرة تتحركان في اتجاه واحد تقريبًا، مع تزايد التنسيق الإنساني والسياسي لاحتواء الأزمة وفتح مسارات للتهدئة.


وفي ليبيا، رغم أن الخريطة معقدة والفاعلين كُثُر، فإن احترام أنقرة للخط الأحمر المصري شكل تحوّلًا مهمًا، يؤكد وجود رغبة حقيقية لتجنب أي مسار قد يهدد الأمن القومي المصري.

وفي شرق المتوسط، ورغم تشابك التحالفات وتضارب المصالح بين دول عدة، تمكنت القاهرة وأنقرة من الحفاظ على قنوات تواصل عسكرية واقتصادية، وهو أمر لم يكن بديهيًا قبل سنوات قليلة.

ما أراه اليوم هو أن البلدين يتجهان نحو صياغة علاقة أكثر تنظيمًا وأكثر وعيًا. شراكة تمتد من الاقتصاد إلى الدفاع، تعتمد على آليات لإدارة الخلاف بدل تركه يتفاقم، وتبني مسار تعاون طويل يتجاوز الحسابات اليومية.

وهنا لا تعتبر زيارة وزير الخارجية حدثًا قائمًا بذاته، بل حلقة في سلسلة مترابطة، تمهّد للقاء 2026 الذي قد يشهد توقيع اتفاقيات جديدة، وتشكيل لجان متابعة، وتحديد خارطة طريق واضحة للعقد المقبل.

الزيارة التي قام بها د. بدر عبد العاطي إلى أنقرة كانت واحدة في سلسلة زيارات على مستوى القمة؛ ولكنها تعد إعلانًا هادئًا عن مرحلة جديدة في العلاقات المصرية–التركية، مبنية على المصالح المشتركة، وعلى إدارة واقعية لملفات الخلاف، وعلى إدراك الطرفين أن استقرار المنطقة يحتاج إلى تقارب لا إلى مسافات إضافية.

ومع انعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي في 2026، سيكون على القاهرة وأنقرة اختبار قدرتهما على ان يكون هذا المجلس اداة تؤدي إلى شراكة راسخة، قادرة على التعامل مع تقلبات المنطقة، وترسيخ رؤية استراتيجية أكثر نضجًا لكلا البلدين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء