ما أجمل أن تحلم حلما جميلا ويتحقق، وتتمنى شيئا وتراه واقعًا أمامك، أخبركم بأن فرحتي اليوم فرحتان، فرحة بالحاضر الذي رأيته، وفرحةٌ بحلمٍ سكن قلبي منذ العام الماضي، يوم وقفت أمام طلاب الفرقة الرابعة بقسم الصحافة أحدثهم عن مشروع تخرج تمنّيت أن يرى النور، وأسميته يومها "دولة التلاوة"، دعوتهم حينئذ إلى أن يكون المشروع نافذة على الماضي والحاضر والمستقبل، على أن يفتحوا نوافذ الضوء للمواهب الشابة في قراءة القرآن الكريم على نهج وطريقة عمالقة القراء، الذين أرسوا مدرسة التلاوة والتي ذاع صيتها في المشرق والمغرب، ولقت القبول في قلوب المسلمين وغيرهم من عباد الله، وأن يمنحوا الأصوات الحسنة فرصة لتُسمِع الأمة ما وهبها الله من جمال وروح
واليوم وأنا أشاهد هذا الحلم يتحقق على شاشة التلفاز، في برنامج "دولة التلاوة" والذي ترعاه وزاره الأوقاف بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، شعرت كأن القدر يبتسم، وكأن مصر تستعيد شيئًا ضاع منها ثم عاد إليها على مهل.. عاد في هيئة برنامج يليق بأهل القرآن، ويليق بتاريخ هذا البلد المبارك.
جاء برنامج "دولة التلاوة" كنسمة طيبة تهبُّ على بيتٍ أرهقته الضوضاء والضجيج، فأعاد للأسرة المصرية لحظة دفءٍ افتقدناها طويلًا، التفَّت العائلة من جديد حول الشاشة، لا لمشاهدة مشهد عابر أو لهوٍ سريع، بل لسماع كلام الله، ولرؤية شبابٍ يرفعون راية التلاوة، وللإنصات إلى علماء أجلّاء ومقرئين كبار يعلّمون ويهذّبون ويغرسون في القلوب حب الأداء الصحيح وروحانية المقام، فجأةً عادت الذاكرة إلى زمن الراديو، حين كان صوت الشيخ يربط بين البيوت وبين المحلات والدكاكين، وحين كانت التلاوة جزءًا من حياة الناس لا تنفصل عنها، تبدأ يومها به وتختم يومها به.
لقد أعاد البرنامج إلى الأذهان دولة التلاوة الحقيقية، تلك الدولة التي شيَّدها العمالقة: الشيخ الحصري وصوته الذي يشبه الخط المستقيم لا يلتوي، وخشوع وعظمة الشيخ محمد رفعت الذي يفتح باب السماء، وجلال الشيخ عبد الباسط الذي يدخل القلب بلا استئذان، ونور الشيخ المنشاوي الذي يبكي الروح قبل العين، وروعة العسل المصفى للشيخ البنا وجمال وجلال مقامات الطبلاوي وغيرهم من أعمدة المدرسة المصرية.
لقد كان "دولة التلاوة" بمثابة جسر بين جيل الأمس وجيل اليوم، بين الأصالة التي لا تموت، والأمل الذي يتفتح في حناجر الشباب، وفي سياق هذا الجمال، يقدّم البرنامج نموذجًا إعلاميًا نادرًا؛ لا يتاجر بالدين، ولا يستخدم القرآن زينةً لعرض تلفزيوني، بل يتعامل مع التلاوة بوصفها عبادةً وفنًا وذوقًا، هنا تتعلم الأذن قبل اللسان، ويتربّى القلب قبل الحنجرة، وتدرك الأمة أن التنافس في القرآن ليس صراعًا على النجومية، بل سباق نحو الإتقان وقربًا من الله والجميع في رحاب القرآن فائز.
ومع ذلك، تبقى الرسالة الأوسع التي ينبغي أن ننتبه إليها، إذا كان هذا البرنامج قد استطاع أن يكتشف مواهب شابة في فن التلاوة، فمصر تملك آلاف المواهب الأخرى التي تنتظر من يتبنّاها. نحتاج إلى "دولة العلم"، و"دولة الإبداع"، و"دولة الابتكار"، و"دولة الأخلاق"، تمامًا كما نحتاج إلى "دولة التلاوة"
لقد شبع هذا البلد من الإسفاف والابتذال طيلة العقد الماضي إلا ما ندر من بعض الأعمال الجيدة التي أنتجتها الدولة المصرية وتحت أعينها، واكتفى من الضجيج الذي لا يُثمر، وحان الوقت أن نزرع في شاشاتنا مساحات نور، تخرج منها أجيال نافعة تعمر الأرض وتخدم الناس وتدفع الوطن إلى مكانته التي نتمناها.