شرعية البرلمان بين حقبتين.. من خليهم يتسلّوا لـ طرح الإلغاء
في مقارنة تاريخية لافتة، وضعت انتخابات مجلس النواب 2025 العملية السياسية في مصر أمام مفترق طرق، كاشفة عن تباين جذري في طريقة تعامل مؤسسة الرئاسة مع الاحتجاجات والمخالفات الانتخابية بين حقبتين مختلفتين.
فبينما كانت عبارة الرئيس الأسبق حسني مبارك الشهيرة "خليهم يتسلّوا" رمزاً لسياسة التجاهل المطلق لغضب الشارع واعتراضات المرشحين، جاء بيان الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير ليفتح الباب على مصراعيه أمام خيار "الإلغاء الكلي أو الجزئي لدوائر التزوير"
السيسي يُلزم الهيئة بالشفافية... والإلغاء "خيار مشروع"
في خطوة وُصفت بالتحول النوعي، دعا الرئيس السيسي الهيئة الوطنية للانتخابات إلى "التدقيق التام" في كافة الشكاوى والطعون المتعلقة بالمرحلة الأولى. وتضمنت رسالة الرئيس الرئاسية توجيهات حاسمة هي بمثابة إطار جديد للعملية الانتخابية:
الكشف عن الإرادة الحقيقية: ضرورة الكشف "بكل أمانة" عن إرادة الناخبين.
الإلغاء غير المتردد: طلب عدم التردد في إلغاء الانتخابات كلياً أو جزئياً في أي دائرة يتعذر فيها التحقق من صحة النتائج.
شفافية الحصر: ضمان حصول مندوبي المرشحين على صورة رسمية من كشف الحصر العددي للأصوات.
يرى المراقبون أن هذا الطرح يعيد بناء الثقة في العملية الانتخابية، ويؤكد أن شرعية البرلمان المقبل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنزاهة الإجراءات لا بالنتائج المُعلنة فقط.
"التسلية" في الماضي.. والمحاسبة في الحاضر
تُسجّل الذاكرة السياسية المصرية عبارة مبارك "خليهم يتسلّوا" كأشهر مثال على الاستهانة بالاعتراض الشعبي والسياسي.
كان هذا الموقف يعني عملياً تجاهل الطعون، وغياب المحاسبة الفعالة، والتقليل من شأن أي خلل في العملية الانتخابية، الأمر الذي بدوره مهد لأحداث يناير وما تلاها.
على النقيض تماماً، يمثل موقف السيسي مساراً مغايراً قائماً على الاعتراف المؤسسي بوجود شكاوى، ومنح هذه الشكاوى مساراً للفحص والتحقيق داخل الهيئة المستقلة، والأهم من ذلك، إتاحة إمكانية إلغاء النتائج إذا ثبت وجود تلاعب أو تدخل غير مشروع.
الانتخابات بين رؤيتين: اختبار الشرعية
دفعت المقارنة بين نهج التجاهل ونهج المحاسبة المتابعين إلى اعتبار انتخابات 2025 اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في مسار الإصلاح السياسي وبناء الجمهورية الجديدة.
ففي حين كانت انتخابات العهد السابق تفتقر إلى آليات الرقابة الصارمة، تبدو الجولة الحالية مُطالبة بتحقيق التزام رئاسي غير مسبوق بالشفافية وتطبيق سقف الإنفاق الانتخابي، تحت تهديد الإلغاء الشامل للدوائر التي شهدت تجاوزات.
تنتظر الساحة السياسية قرار الهيئة الوطنية للانتخابات، لتكشف عما إذا كانت ستتجاوز هذا الاختبار لتُثبت أن إرادة المصريين هي الفيصل، أم ستعود بالمشهد إلى مربع الشكوك الذي حاولت التوجيهات الرئاسية إبعاده عنه.