ما لا يمكن توقع نتائجه بصورة كاملة هو أثار ما يعيشه أطفال غزة جراء معايشتهم صور الدمار وأعمال القتل و التنكيل بالجثث لزويهم و التشريد لمن بقي علي قيد الحياة والتي قام و يقوم بها الإحتلال الصهيوأمريكي الغاشم علي غزة ، التي لم يعد فيها سوي اسمها ، والبقية من سكانها الذين عايشوا الدمار الذي طال كل مكان .
أطفال في مختلف الأعمار شاهدوا تقطع أشلاء آبائهم و إخوانهم و جيرانهم يعيشون لحظات رعب إطلاق الصواريخ عليهم وهم بين جدران كانت بالفعل أمنه .
تلوح أمامي دائما صورهم ، فكرت فيما يعيشون من مواقف ، ويواجهون من دمار ، أحاول أن أكتب عنهم ، فلا تقوي يدي علي الكتابة ولا عقلي عن التركيز، تلاحقني أصوات صراخ الأطفال الذين يفقدون آباءهم أمام أعينهم ،صراخ طفلة تنادي علي شقيقها الأصغر تحت الأنقاض ، بينما طفل أخر يحمل رأس شقيقته يحتضنها في براءة بعد أن تحول جسدها إلي أشلاء ، وأخر يجد أمامه أقدام شقيقه فقط ، بينما ٱخر تحول جسده إلي أشلاء لملمها الأب المكلوم في قوة إيمان و شجاعة وصبر أسكنهم الله قلبه .
كنت أقول لنفسي ، ماذا سيحدث عندما يكبر هذا الجيل من الأطفال الذي عايش وعاني وشاهد الدمار الكامل لكل أمان كان يعيشه ؟ جيل من الأطفال شاهد إذلال جنود الإحتلال لأبائهم حين أجبروا الرجال و النساء علي خلع ملابسهم عرايا و الجلوس وسط الشارع ثم قاموا بإطلاق النيران عليهم .
صور لن تزول من عقولهم ، وسيحاولون الإنتقام حين تتاح لهم فرصة العمر و الإمكانيات .
أطفال وشباب تم حرمانهم من التعليم عامين متتاليين ، بالإضافة لهذا العام وتدمير جميع المؤسسات التربوية التعليمية عمدا بواسطة شياطين الإحتلال بغرض حرمان الطلاب من التعليم و خلق جيل تائه وجاهل علميا ، و القضاء علي ٱي نبوغ علمي .
من المؤكد أن اعتياد الأطفال علي سماع ومشاهدة أصوات الدمار و أعمال القتل يؤدي لإعتياد الأطفال علي التعايش مع العنف ، فيجعلهم يميلون دائما للسلوكيات العدوانية ، في كثير من تعاملاتهم مع الأخرين ، وقد تؤدي تلك المشاهد العنيفة للدمار ، لزيادة العنف لدى الأطفال ، سواء في المدارس التي لا يعلمون متي ينتظمون فيها أو داخل البيوت أو من خلال تعاملاتهم اليومية مع الآخرين .
أطفال غزة قنبلة موقوته ، ستنفجر يوما ما للثأر مما يرونه و يعايشوه ، ولا يمكن أن يكون لديهم عندما يكبرون سلام دائم إلا بعد الثأر .
فلا يمكن أن تمحي من ذاكرتهم تلك الحالة التي عايشوها ، و ستترك في نفوسهم تأثيرا بالغا في مكونات حياتهم وتعاملهم فيما بعد ، سواء في حياتهم أو في صور نضالهم لتحرير الأرض من إحتلال غاشم دمر كل شئ أحبوه ، وهدم جدرانا كانت تأويهم ، وعاشوا مشردين في الشوارع بلا غطاء و لا ماء ولا غذاء ولا أمان ، بل بلا حياه أصلا .
ما قام و يقوم به العدو الإسراأمريكي من محو وتدمير الأمان للأطفال سيكون له أثار مدمرة عليهم بالإضافة إلى التأثير النفسي و العضوي ، سوف يعيش الأطفال مرحلة الخوف الدائم من الأصوات العالية ، و ارتباك في النوم و عدم الشعور بالأمان بالإضافة إلي الكوابيس المزعجة أثناء الخلود للنوم .
أصوات الدمار و صور القتل البشعة ستخلد في نفوس الأطفال روح الإنتقام و الثأر من العدو ، ولن ينسي الأطفال صور فقدان الأهل أو بكاء الأب القدوة ، الذي عايش لحظة ضعف أمام قوي غاشمة للعدو الإسرائيلي فقد فيها القدرة علي الدفاع عن أسرته ، وتوفير الأمان لهم .
هؤلاء الأطفال الآن بعضهم غير مدرك بصورة كاملة ما يحدث ، وليست لديهم القدرة علي المقاومة ، لذلك سوف يقومون بتخزين تطلعاتهم وقوتهم لحين إتاحة الظروف أمامهم في المستقبل حتي لو تعايش الجانبين في سلام ، لن ينسي هؤلاء الأطفال ما حدث ، سيتولد لديهم بإستمرار الشعور بالعجز إذا لم ينتقموا من العدو و يثأروا لأرواح أحبابهم التي فقدوها .
فالظروف التي عايشها أطفال الحرب تجعل منهم في المستقبل أشخاص آخرين ، و تحولهم من معايشة أحلام البراءة وحياة الطفولة إلي حياة الثأر و الإنتقام .
أطفال يفقدون الشعور بالأمان بعضهم سوف يعيش فوضي التفكير والخوف من الحياة ، بل و جبن المواجهة ، نتيجة قلة الإمكانيات، بعضهم لن يفكر سوي في الإنتقام من العدو، لذلك فمن غير المنتظر أن تهدأ الأوضاع خلال سنوات قادمة .
هناك جيل من الأطفال سوف يعاني من أعراض الإضطراب النفسي و التلعثم في الكلام و الشعور بالألم في العظام . وهناك بعض الأطفال سوف يعانون من التبول اللاإرادي والإسهال وعدم إنتظام الشهية ، بالإضافة للشعور بالصداع . بينما يعيش بعض الأطفال حالة خوف دائم عند النوم ، و إذا ناموا سوف يعانون من حالات الفزع والخوف والقلق والصراخ وعدم الشعور بالأمان ..
و يمكن أن يصاب بعض الأطفال بقصور في تأخر النمو العقلي والعاطفي ، كما سيجد بعضهم صعوبة في الإختلاط في المجتمع و سوف يشعر البعض بالعجز الدائم عن التفكير العاطفي . سوف تسيطر عليهم دائما صور الدمار التي عايشوها وقلة الحيلة ، مما يؤثر علي سلوكياتهم في التعامل مع الآخرين ببنما يمكن أن يصابوا بسلوكيات عدائية مع الآخرين .
سوف بعيش بعضهم في قلق شديد من اللحظة القادمة ، و سوف يشعرون دائما بأنهم ينتظرون حدثا يخافونه ، بالإضافة إلي الأحلام المزعجة نتيجة معايشتهم لذكريات قاسية تسكن عقلهم الباطن .
بالإضافة لحالة حزن شديد وإنعدام الفرحة التي يمكن أن تتحول لحالة اكتئاب ، وقد ينشأ عند بعضهم الإنفعال الشديد مصحوبا بحالات غضب من آي شئ لكونه فقط يريد أن يقوم بتفريغ شحنة غضب مخزونه داخل عقله الباطن .
أطفال سوف يكبرون فقط علي روح الإنتقام من العدو مهما حدث في المستقبل من تقارب، فلن تمحي من أذهانهم تلك الصور البشعة التي عايشوها ، ولن تمحوها مراحل العلاج النفسي بسهولة، جيل عندما يكبر سيحطم كل شئ ، ليشعر بأنه إنتقم لتلك الذكريات التي لن تمحي أبدا من ذاكرته ، إلا بعد الإنتقام من عدو غاشم دمر الأمان الذي كان يعيشه وهو طفل .
نعيش اليوم لنجد الغد فى قلب أطفالنا وتبنى الشعوب على أحلام صغارنا ، فبماذا تحلم أطفال غزة بعد مرارة الرؤية وقسوة العيشة ؟ دم و أشلاء جثث و مرارة الجوع مشاهد أكثر قسوة على الطفولة .
بالطبع سوف تؤثر تلك الأحداث القاسية علي النمو النفسي و العضوي لهم ، فلابد إذا من العمل عن طريق كافة المؤسسات الدولية علي إعادة الإعمار النفسي لأطفال غزة ، وتعديل السلوك العدواني . فقبل العمل علي إعادة إعمار المباني و المنشٱت ، لابد من إعادة الإعمار السلوكي النفسي لأطفال غزة وتأهيلهم نفسيا وإجتماعيا للتعايش مع المستقبل بعدما مروا بما لا يتحمل رؤياه أعتى البشر .
الإعمار النفسي لهذا الجيل يجب أن يتماشي جنبا لجنب مع إعمار المنشٱت .