رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مؤرخ أمريكي يحلل وجوه البطالمة.. رؤية جديدة لملوك حكموا مصر بثقافة مزدوجة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

شغفه العميق بالحضارة المصرية قاده نحو مسار حياة كامل بدأه المؤرخ الفني وعالم الآثار الأمريكي إدموند ستانويك حتى حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة نيويورك في الفنون والآثار المصرية القديمة، وبمرور السنوات، قدّم للمكتبة العالمية مؤلفات أصبحت مراجع أساسية، إلا أن كتابه الأخير «بورتريهات البطالمة: الملوك اليونانيون كالفراعنة المصريين» ظلّ الأبرز بين أعماله، باعتباره نافذة شاملة على فنون تلك الحقبة التي جمعت بين الشرق والغرب.

ترجمة عربية تفتح الباب أمام دراسة جديدة

الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، نقله إلى العربية الدكتور جلال الرفاعي، وراجعه الدكتور حسين عبد البصير، ويضمّ دراسةً موسعة لـ150 نموذجًا من الصور ذات الطابع المصري للبطالمة، كاشفًا عن التداخل الفريد بين ملامح الملكية المصرية القديمة والفن الهلينستي، ويشير المترجم إلى أن الكتاب يوثق لعصرٍ بالغ الثراء في التاريخ المصري، يمتد من 332 إلى 30 قبل الميلاد، ويُعد من أكثر الفترات زخماً بالأحداث والتطورات الفنية.

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «بيلد» الألمانية، يعود الكتاب إلى اللحظة التي وطأت فيها قدما الإسكندر الأكبر أرض مصر عام 332 قبل الميلاد، إيذانًا ببدء حقبة الحكم المقدوني ثم البطلمي، وبعد وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد، بدأت مرحلة يُطلق عليها المؤرخون العصر الهلينستي، وهو العصر الذي شهد اندماج الحضارات الشرقية مع اليونانية، لتولد حضارة جديدة تمزج بين الهوية المصرية العريقة وروح الإغريق المتحررة.

ويضيء ستانويك في عمله على هذا الاندماج الثقافي، موضحًا كيف تأثرت الفنون الملكية البطلمية بالجذور المصرية القديمة، وكيف لعبت التحولات السياسية دورًا في صياغة الملامح البصرية للبورتريهات الملكية.

ملامح فنية تتقاطع بين الديانة والتقاليد الملكية

يمضي المؤلف في تحليل التأثيرات التي تركت بصمتها على صور البطالمة، بدءًا من التقاليد الملكية الصارمة للمصريين القدماء، مرورًا بالمراسيم الكهنوتية والألقاب الدينية، وصولًا إلى النزعة اليونانية التي حملت معها مفهومًا مختلفًا للحكم والسلطة، ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا للعلاقة بين الديانتين المصرية واليونانية ودورهما في تشكيل الهوية الفنية للملوك في تلك الفترة.

وينقل ستانويك شهادة عالم المصريات الألماني هانس فلوفغانغ ميلر، الذي وصف البورتريهات ذات الأسلوب المصري للبطالمة بأنها «أرض مجهولة» عام 1961، قبل أن تكشف الاكتشافات اللاحقة، خصوصًا في المناطق الساحلية القريبة من الإسكندرية، عن نماذج رائعة أزالت الكثير من الغموض.

ويسعى ستانويك عبر صفحات الكتاب إلى تحقيق هدفين رئيسيين: وضع منهجية شاملة توحّد بين النصوص القديمة والآثار والسياق الفكري للملكية، ثم بناء إطار تحليلي أكثر دقة لتعريف المنحوتات البطلمية بعيدًا عن النظرة التقليدية للفن الكلاسيكي، لهذا السبب يراجع المؤلف الثوابت المتداولة في تأريخ تلك المنحوتات، ويكشف أن نحو ربع الأعمال التي نُسبت سابقًا إلى البطالمة لا تنتمي فعليًا إلى تلك الحقبة.

فصول تكشف حياة البورتريه البطلمي

ثم يتدرج ستانويك عبر فصول الكتاب، فيبدأ بتحليل العلاقات التي جمعت مصر وروما واليونان في القرن الأخير قبل الميلاد، ثم يناقش المراسيم الكهنوتية مثل حجر رشيد ودورها في تحديد شكل الصورة الملكية ووظيفتها، قبل أن يعود إلى الأدلة الأثرية لفحص السياق المادي للنحت البطلمي. 

كما يتناول طرز التماثيل وأحجامها ومواد صنعها ونقوشها، ليكشف كيف يسهم كل عنصر في منح البورتريه دلالته البصرية، ويسلط الضوء في فصلٍ آخر على الأهداف العقائدية والفكرية التي عكستها الألقاب الملكية المصرية للأسرة البطلمية.

حتى يصل المؤلف إلى فصل محوري يضع فيه إطارًا زمنيًا دقيقًا للبورتريهات، جامعًا الأعمال اليونانية والمصرية في دراسة واحدة، قبل أن يخصّص فصلاً كاملاً للتحذير من الخلط بين أعمال من حقب مختلفة تُنسب خطأ إلى العصر البطلمي.

لقاء حضارتين

يختم ستانويك دراسته بنظرة إلى النحاتين الملكيين والاتجاهات الأسلوبية التي شكّلت فن البورتريه البطلمي، مؤكدًا أن فهم هذا الفن يشبه تأمل التمثال من كل زاوية، حيث يمنح التعدد في المناهج رؤية أكثر وضوحًا.

 ويبدو المؤلف مفتونًا بالكيفية التي دمج بها الفنان البطلمي بين الاستمرارية المصرية والرغبة اليونانية في التغيير، في مواجهة ثقافية أنتجت فنًا يحمل ملامح حضارتين.

وفي نهاية المطاف، يأتي كتاب بورتريهات البطالمة ليملأ فجوة في المكتبة العربية، مقدّمًا مستوى بحثيًا جديدًا في دراسة الصور الملكية المصرية، ومسلطًا الضوء على الفن الهلينستي باعتباره شاهداً نادرًا على لحظة تاريخية التقت فيها اثنتان من أعظم حضارات العالم القديم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء