بين أصوات الخليج والتلاوة المصرية.. هل تغيّر ذوق الجمهور في سماع القرآن؟
«القرآن نزل في مكة والمدينة وقُرئ في مصر»، مقولة شهيرة تلخص مكانة أسلوب التلاوة المصري الذي صار منذ عقود معلمًا بارزًا في مكتبة تسجيلات القرآن، يتناقض في كثير من جوانبه مع الأساليب الأخرى المنتشرة في الخليج، دون أن تقتصر الاختلافات على الصوت وحده، بل تتعلق بقواعد الترتيل والتجويد، وحتى بالحسّ الفني لدى المستمعين، لكن ما هي هذه الفروق؟ وكيف يؤثر ما يسمّيه البعض «الجذب الصوتي» في تفضيلات الجمهور؟ وهل تغيّرت هذه التفضيلات بين الأجيال؟
فروق أساليب التلاوة بين مصر والخليج
أول ما يلفت الانتباه في المدرسة المصرية التقليدية هو ما تسميه بعض الدراسات بـ«التجويد» بمعناه الفني، وليس فقط كقواعد نطق، ووفقًا لدراسة منشورة على موقع «cornell university»، تُعرف الطريقة المصرية ببطء التلاوة، والتمهل، وإطالة الوقف والابتداء، ما يمنح القارئ فرصةً لتطبيق أحكام التجويد بدقة أكبر، مثل الأحكام المتعلقة بالمدّ أو الإدغام أو الإظهار، وتتيح هذه البنية الصوتية إعطاء الحروف حقّها من الصفات الصوتية، وهو ما يختلف عن ما قد يراه البعض في أساليب ترتيل أبسط أو أسرع.
بمرور الأجيال، تبدّلت التفضيلات، جيل السبعينيات على سبيل المثال، عايش ذروة شهرة قرّاء من المدرسة المصرية مثل محمد رفعت أو المنشاوي، إذ كان الأداء الصوتي الدراماتيكي والمقام الموسيقي جزءًا من تجرِبة سماع التلاوة في الإذاعة والجوامع.
بينما الجيل الحالي، خصوصًا مع انتشار الإنترنت وتطبيقات القرآن، بات أمام خيارات غير محدودة من القرّاء من مختلف الدول، وأصبح بعضهم يفضّل التلاوة البسيطة والواضحة التي تُناسب الاستخدام اليومي مثل التلاوة للتدبر أو الحفظ أكثر من الأداء الصوتي المزخرف.
ما يفضله الجَمهور اليوم
من جهة أخرى، يقول بعض الباحثين إن المدرسة المصرية تزخر بتراث موسيقي، إذ سلّطت الكاتبة كريستينا نيلسون الضوء في بحثها «فن تلاوة القرآن» على معرفة بعض القرّاء المصريين الكبيرة بأسس الموسيقى، والتي أثرت على نمط أداء التلاوة، خاصةً في حقب القرن العشرين، فجعل هذا العُمق الفني في الأداء من بعض التلاوات قرابةً بين التلاوة والغناء، مع تحكم في النغم والصوت لإحداث تأثير عاطفي عند المستمع.
لكن ماذا عن الأسلوب الصوتي في الخليج؟ على الرغم من قلة الدراسات العلميّة التفصيلية التي تقارن مباشرةً التلاوة الخليجية بغيرها، إلا أن الاختلاف الصوتي محسوس لدى المستمعين، فالصوت في بعض القراءات الخليجية قد يتميز بنغمات أقل زخرفًا موسيقيًا، وربما تركيز أكبر على وضوح المخارج والتجويد دون الميل إلى التلحين الموسيقي البارز.
عوامل الجذب الصوتي
من الناحية الصوتية، يقول المنشد الديني عاطف يونس، إن الطابع الفني للتلاوة يلعب دورًا كبيرًا في تفضيلات الجمهور، فبعض المستمعين يميلون إلى الأداء الذي يجدون فيه نشوةً صوتية أو لحنًا جميلًا أكثر من الأداء الذي يعتمد فقط على قواعد التجويد الصارمة، ما يمكن أن يجعل هذا الجذب عاملًا حاسمًا في اختيار المستمع لقرّاء معينين، خصوصًا عندما يكون الصوت مؤثرًا ومستوى الصوت والتجويد مهيئًا لتجربة روحية فريدة.
وأضاف خلال حديثه لموقع «إيجيبتك»، أن بعض المستمعين يضعون الصوت أولًا، فهم يبحثون عن تجربة سماع مؤثرة تجعلهم يشعرون باتصال روحي كلما استمعوا إلى القرآن، وآخرون يهمّهم التلاوة الدقيقة، أي أن يكون القارئ ملتزمًا بأحكام التجويد والتلاوة الموزونة، حتى لو لم يكن أداؤه لحنيًا قدر الأداء المصري التقليدي، وهناك أيضًا من يبحث عن الأداء الهادئ الذي يساعد على الاسترخاء والنوم، ما يجعلهم يفضلون القراء الخليجيين.