رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المدن أرواح، ولمدينة القاهرة تحديدا روحها المميزة وسرها الدفين الذي يعبر عن كيان يحمل كل المتناقضات ببساطة وأريحية ويتعايش معها. 

لذلك تدخل المدينة قلوب كل من يعيش فيها أو حتى يزورها.


تشريح القاهرة والغوص في متاهاتها ومعرفة دهاليزها الخفية وسر جمالها والزخم الذي تمثله على المستوى الإنساني والثقافي والتاريخي ليس بالأمر الهين، خصوصا حين تأتي من عين زائر أو سائح.

 

 فهو يعيد اكتشاف المدينة بطريقته الخاصة وبشكل منفصل تماما عن فكرة التحيز أو الانتماء.


تلمست المخرجة الكويتية اللبنانية فرح الهاشم روح القاهرة وحاولت الغوص في تفاصيلها ورصد كل ما تحمله من زخم وتناقضات، بين الأماكن الراقية والشعبية، بين الثراء والفقر، بين الأماكن السياحية أو المعالم الشهيرة والعشوائيات، بين عبد الناصر والسادات، بين الكتب الفكرية وفرشات الملابس العشوائية على الأرصفة، والباعة الجائلين، والمبدعين والمثقفين.  


في فيلمها "هرتلة في القاهرة" الذي نشرته على قناتها بموقع "يوتيوب" وحظي بتفاعل كبير، خصوصا بعد ما أشيع عن منعه من العرض، وتبين أن سينما زاوية رفضت عرضه لأن لها اشتراطات معينة في الأفلام التي تعرضها وهي أن تكون شاركت في مهرجانات من قبل.

 

 في حين أن الرقابة على المصنفات لم تمنعه بل إن الكاتب عبد الرحيم كمال رئيس الرقابة على المصنفات الفنية أعرب عن إعجابه بالفيلم، مبدياً ملاحظات بسيطة، وفق تصريحات منشورة للمخرجة الكويتية. 


الفيلم يبدأ بكلمة مكتوبة "الهرتلة هنا مفيدة للصحة، ونحتاج إلى جرعة من الهرتلة العبقرية كل يوم حتى نتمكن من العيش بسلام"، مقدمة الشكر لكل من ساهم في صناعة هذا الفيلم الخيالي. 


ويظهر صوتها في البداية "أن تهرتل أو لا تهرتل هذا هو السؤال هناك فرق بين هرتلة التافه وهرتلة العبقري، كلمات صلاح جاهين جزء من هذه الهرتلة العبقرية التي نحتاجها في حياتنا حتى نستمر".


الهرتلة هنا إذن هي نوع من العصف الذهني والفكري، نوع من الهذيان الواعي المهموم، وليس هذيانا عبثيا مرضيا، وإن كان اللفظ يحمل معنى سلبياً في العموم ويشير إلى الكلام الفارغ الذي بلا قيمة أو معنى أو مضمون، لكن الهرتلة هنا تكتسب حمولة دلالية عميقة وكأنها إفرازات لا واعية تنزّ من ضمير المدينة. 


يتجول الفيلم بعين السائح الواقع في غرام المكان بين شخوص مختلفة ومتعددة الاهتمامات والاختصاصات، فمن المخرج اللبناني منتصر بيوض، والذي عرفته بالصدفة وكان له الفضل في لفت نظري إلى اثنين من أجمل الروايات الأيروتيكية – الحسية في الأدب العربي الحديث "برهان العسل" للكاتبة السورية سلوى النعيمي و"فسوق" للكاتب السعودي عبده خال.

 


ومن الشخصيات التي ظهرت في الفيلم أيضاً قارئة أوراق التاروت رنا الحسيني، والكاتب والسيناريست محمد السيد عيد والشاعر والكاتب عبده الزراع والكاتب فؤاد مرسي والناقد الأكاديمية زينب فرغلي، وفرقة مزاهر التي تقدم فنونا شعبية بمركز مكان الثقافي بالسيدة زينب، وكذلك جمعية محبي الشيخ إمام، والكثير من الشخصيات بين صحافيين ومسرحيين وأصحاب مكتبات بوسط القاهرة.


يبدو الفيلم مثل جولة حرة تقوم بها المخرجة في سيارة أجرة عبر شوارع المحروسة، تتحدث عن هواجس المدينة وعن إحساسها بالمكان وما يحمله من ثراء فكري وبصري وإنساني وتاريخي، كأنها تقيم حواراً مع كائن خفي، وتغوص أكثر في منطقة وسط البلد، في قلب القاهرة، حيث مقاهي الحرية ومركز مكان الثقافي وريش وميدان طلعت حرب.


من رجل عجوز يتسند على عكاز في زقاق ضيق بمنطقة شعبية عشوائية، إلى قلب ميدان واسع بعمارات شاهقة وأضواء باهرة، هذه هي نوعية المفارقات البصرية التي تعمد إليها المخرجة في تقديم الوجوه العديدة والثرية والغنية للقاهرة، ببؤسها وعظمتها، بحلوها مرها، بشوارعها العتيقة ومبانيها الحديثة الفارهة وبيوتها المتهالكة. 


قضايا كثيرة قدمتها فرح الهاشم في فيلمها "هرتلة في القاهرة"، وتتوالى هذه القضايا دون تراتبية منطقية (كنوع من الهرتلة) أو ربما الفضفضة، من وصف طبائع الناس والمكان والشخوص للحديث عن عبد الناصر والسادات وإسرائيل، والتطرق إلى قضية الوحدة الوطنية والتنوع الديني الموجود في مصر

 

 لكن الشخصيات الحقيقية التي استضافتهم قدموا رؤى ثرية للقاهرة تاريخيا وعصريا وإنثروبولجياً، وربما لمصر كلها، وكأنها تترك الكاميرا تتجول في أحشاء البلد، لتعرف سر المدينة، وتقف على حدود العبث الذي صاغ سحرها، فهل وصلت لشيء؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء