رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«مستقبل الثقافة» وتحذيرات طه حسين: التاريخ وحده لا يكفي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في عام 1938، وبعد مرور عامين على توقيع معاهدة «الشرف والاستقلال» عام 1936، صدرت واحدة من أهم الدراسات الفكرية في البلاد، كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لعميد الأدب العربي طه حسين، الذي أصبح علامة فارقة في الفكر الحديث، إذ لا يزال حتى اليوم يُقرأ ويُناقش باعتباره مرجعًا فكريًا في علاقة الثقافة والتعليم بالهوية والمستقبل، في ظل بقاء بعض الإشكاليات التي أشار إليها الكاتب.

الثقافة والهوية.. مفتاح نهضة مصر

خلال 318 صفحة، وضع طه حسين ما يشبه خارطة طريق شاملة لمستقبل الثقافة والتعليم في مصر، متناولًا علاقة الثقافة بالهوية والانتماء، وأهمية التعليم كمحرك رئيسي للنهضة.

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين، الأول يركز على الثقافة والهوية والتوجه الحضاري، بينما يعالج الثاني التعليم ومؤسساته والنهضة المرتبطة به، ويبدأ طه حسين كتابه بفصل «الثقافة والعلم أساس الحضارة والاستقلال»، مؤكدًا أن الاستقلال السياسي وحده ليس غاية، بل وسيلة لتحقيق أهداف أرقى ترتبط بالتقدم والنهضة الحقيقية. 

ثم يتناول الكتاب بعد ذلك فصولًا عدة، متناولا فيها العقل المصري والعقل اليوناني وتأثر كل منهما بالآخر، وقضايا التعليم، الجامعات، المعلم، اللغة، والهوية، في عرض متكامل لرؤية حسين لمستقبل مصر الثقافي والتربوي.

أساس بناء المجتمع الحديث

يتبين للقارئ بعد مطالعة الصفحات الأولى من الكتاب أن طه حسين يرى أن الثقافة في مصر هي المفتاح لمستقبلها، وأن التعليم هو الذي يصنع الثقافة المجتمعية، وأنه يشير إلى مصر باعتبارها أقرب جغرافيًا وثقافيًا لدول حوض البحر المتوسط منها لدول الشرق الأقصى، محذرًا من الاعتماد الكلي على الموروث الشرقي وحده، لأنه قد يعيق النهضة. 

كما يشدّد على أن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي لتحقيق الثقافة والتقدم، فهناك دول مستقلة لكنها لا تمتلك الثقافة الحقيقية أو النهضة المنشودة.

وفيما يتعلق بالتعليم والتربية، يعتبر طه حسين، التعليم المنظم والجيد عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع الحديث، مشيرًا إلى أن مصر لا تزال تواجه جهلًا واسعًا يعيق النهضة، كما ركز على وضع المعلم، داعيًا الدولة إلى تحسين وضعه المادي والمعنوي، وإعداده إعدادًا جيدًا ليقوم بدوره بكفاءة. 

وتناول كذلك المناهج واللغة العربية، وضرورة إدخال لغات أجنبية والمكتبات المدرسية، وتنظيم الجامعات، ليكون التعليم أداة فعلية للتقدم والنهضة.

توصيات طه حسين للنهضة الثقافية والتعليمية

وفيما يخص حضارة مصر وتحديثها، يؤمن طه حسين بأن مصر رغم تاريخها العريق وتجربتها الطويلة، فإنها تأخرت في الاستفادة من الاتصال بالحياة الحديثة مقارنة ببعض الدول الأخرى، ويرى أن التخلّف ليس نتيجة نقص أصل أو جوهر، بل يعود لظروف داخلية وخارجية، وأن المسألة تتعلق بالفعل والعمل، وليس فقط بالماضي.

ومن أبرز توصياته:

• وضع خطة وطنية شاملة للثقافة والتعليم بمشاركة الدولة والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني.

• تحديث النظام التعليمي وتحسين وضع المعلم.

• تقليل كثافة الفصول.

• مراجعة المناهج.

• بناء جامعة لها استقلال مالي وعلمي وربط التعليم العالي بالثانوي. 

كما شدّد على التركيز على الثقافة في جميع أبعادها، من المسرح والسينما والإذاعة والصحافة إلى البحث العلمي، مؤكدًا أن التعليم والثقافة هما الوسيلة التي ستمكّن مصر من التقدم بين الأمم المتحضرة، وليس مجرد تحقيق الاستقلال السياسي.

النقد والمآخذ على الكتاب

ومع ذلك، لم يخلُ الكتاب من النقد، إذ واجه موجةً من الانتقادات بسبب موقفه الذي اعتبره البعض يقلل من ارتباط مصر بالشرق، واعتبر بعض النقاد أنه بالغ في التشبيه بين المصريين والأوروبيين، وأن تفاؤله في بعض المواضع كان يمكن اعتباره سذاجةً بالنظر إلى الواقع المعيشي والمعوقات التي تواجه البلاد. 

كما أشار بعضهم إلى أن توصياته لم تُطبق بشكل كامل، ما جعل أفكاره تبدو «مشروعًا غير مُنجز» إلى حد كبير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء