رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإفتاء: نشر الفيديوهات غير الأخلاقية لزيادة المشاهدات إثم عظيم

دار الافتاء
دار الافتاء

ورد سؤال إلى دار الإفتاء حول حكم نشر ومشاركة البلوجر للمقاطع غير الأخلاقية، بعد انتشار مقاطع فيديو على منصَّات التواصل الاجتماعي تحتوي على ألفاظٍ وحركات خادشة للحياء بهدف زيادة نسبة المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.
 

ردت دار الإفتاء قائلة:" إن ما يقوم به صانعو المحتوى ممن يُعرفون بـ"البلوجر" من نشر المقاطع غير الأخلاقية على منصات الإعلام الرقمي لزيادة التفاعل حول ما يقومون به هو عَمَلٌ محرَّم شرعًا وقانونًا، ففيه إشاعة الفاحشة في المجتمع، وهي جريمة أناط بها الشرع الشريف عقوبة عظيمة، إضافة لما يحويه هذا النشر بهذه الكيفية من التعارض الكلي مع مبدأ الستر والاستتارالذي أقره الشرع الشريف.


وأهابت دار الإفتاء المصرية بأولياء الأمور ضرورة وقاية أبنائهم من الانسياق وراء هذا المحتوى الهزلي الذي يُقدَّم تحت ستار الترفيه، مع أهمية توجيههم نحو ترفيهٍ بديلٍ هادفٍ ومناسبٍ.
   

نشر الفضائح الأخلاقية .. إدمان مدمر

أكدت دار الإفتاء المصرية في فتواها أن الاستفادة من التَّطوُّر التكنولوجي الهائل أمر يشجِّع عليه الإسلام، شريطة أن تكون هذه الاستفادة منضبطة بقِيَم الشريعة الإسلامية التي تضع حدودًا واضحة لحماية كرامة الإنسان وخصوصيته.

أضافت  أن استغلال التكنولوجيا في التلصص، أو تتبع الناس، أو تهديد استقرار المجتمع وقيمه التربوية، هو خروج عن المنهج القويم وتحويل الأداة النافعة إلى وسيلة للهدم.

حذرت دار الإفتاء من الخروج بالإعلام الرقمي عن مساره الصحيح بنشر ما يتنافى مع القيم والأخلاقيات من خلاله مشيرة إلى أن بعض  من يطلق عليهم "البلوجر" أو مُقدِّمي المحتوى المرئي على المنصات  يقومون في بعض محتواهم بنشر فضائح أخلاقية من أجل زيادة التفاعل تعليقًا أو مشاركةً أو إعجابًا حول ما نُشِر، بل إن  كثيرا مِن مقاطع الفيديو القصيرة التي تحكي نصائح وقصصًا مِن صانعي المحتوى لا تختلف في حقيقتها عمَّا يُقدِّمه بائعو الـمُخدِّرات، فكلاهما إدمان ومُدمِّر ومنتشر، بل وثراؤه سريع.

إشاعة الفاحشة جريمة عقوبتها عظيمة


وصفت دار الإفتاء نشر المقاطع غير الأخلاقية بأنه إشاعة للفاحشة في المجتمع، وجريمة حَذَّر منها الحق سبحانه وتعالى؛ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. والآية عامة في الذين يَلتمسون العورات، ويهتكون الستور، ويُشيعون الفواحش.
قال الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" : لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك]. 
وقد جَعَل الإسلام إشاعة الفاحشة وفعلها في الوِزْر سواء لعظم الضرر المترتب في الحالتين؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "الْقَائِلُ الْفَاحِشَةَ والذي يشيع بها في الإثم سواء"،، وقال عطاء رضي الله عنه: "من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقًا" أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره".
كما رَتَّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جريمة إشاعة الفاحشة عقوبة عظيمة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ هُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ يَشِينُهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا؛ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُذيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى ييَأْتِيَ بِنَفَاذِ مَا قَالَ» رواه الإمام الطبراني في "الكبير" كما ذكر الإمام الهيثمي في "مجمع الزوائد" ، ورواه الإمام ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة والنميمة".
وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوء عاقبة الذين يشنعون على إخوانهم ويُسَمِّعون بهم؛ فقال في الحديث الذي رواه مسلم: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ».
وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ،، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد. فمَنْ سَمَّع بعيوب الناس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه وأسمعه المكروه.
كما أَنَّ نشر مثل هذه الفضائح الأخلاقية مِن قِبَل "البلوجر" يتنافى كليًّا مع حَثِّ الشرع الشريف على السَّتْر والاستتار؛ لأنَّ أمور العباد الخاصة بهم مبنية على الستر؛ فلا يصح من أحد أن يكشف ستر الله عليه ولا على غيره؛ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» أخرجه الإمام مسلم.


الستر واجب على مرتكب المعصية

 


 أوضحت دار الإفتاء في فتواها أن مَن ابتلي بمعصيةٍ  ينبغي ألا يُخبر بها، بل يُسرها ويستغفر الله منها ويتوب إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ".
وقد نَصَّ الفقهاء بناءً على ذلك أنه يستحب لمن ارتكب معصية أن يستر على نفسه وعلى الغير، قال العلامة المَرْغِينَانِي في "الهداية": الستر واجب والإشاعة حرام 
وقال الشيخ عِلِيش المالكي في "منح الجليل" : يجب ستر الفواحش على نفسه وعلى غيره لخبر: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ».
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" : (ويستحب للزاني) ولكل من ارتكب معصية (الستر) على نفسه
وقال العلامة الموفَّق ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" : ورد الشرع بالستر والاستتار


كشف ستر المسلم حرام


أشارت دار الإفتاء إلى أن  الشخص إن فعل المعصية ثم أَسَرَّ بها إلى شخص آخر، فلا يجوز لهذا الآخر أن يكشف سره ليشهر به، كما لا يجوز لمن استؤمن على شيء أن يكشفه لغيره قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وعَنْ أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» متفق عليه.
وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أخرجه الإمام مسلم.
ولقد أمر الإسلام أتباعه بأن يتحلوا بالستر وغض الطرف عن عثرات الناس وعدم تتبع عوراتهم؛ عونًا لهم على التوبة وإصلاح النفس، ففي الحديث الشريف عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» أخرجه الإمام مسلم.


 نشرالفضائح .. غيبة محرمة


إن نشر الفضائح والمقاطع غير الأخلاقية عن طريق الغير يُعَدُّ من الغيبة المحرمة؛ لأنَّ فيه ذكر الشخص بما يكره أن يُذكر به.
قال الإمام النووي في "الأذكار" فأما الغيبة: فهي ذكرك الإنسان بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه، دينه، دنياه، نفسه، خَلقه، خُلقه، ماله، ولده، والده، زوجه،  خادمه، مملوكه،عمامته، ثوبه، مشيته وحركته، بشاشته وخلاعته، أوعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك.


العقوبة القانونية لنشر المعلومات المضللة


ولقد جَرَّم المُشَرِّع المصري نشر المعلومات المُضَلِّلة والمُنْحرِفة، فأصدر القانون رقم (175) لسنة 2018م، والخاص بـ (مكافحة جرائم تقنية المعلومات)، وأَوْدَع فيه مواد تتعلق بالشق الجنائي للمحتوى المعلوماتي غير المشروع، ففي المادة (25) من القانون المشار إليه نَصَّ على أنه: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة  ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة] اهـ.
ونَصَّ أيضًا في المادة (26) على أنه: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل مَنْ تَعمَّد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة، أو لإظهارها بطريقة مِن شأنها المساس باعتباره أو شرفه.

بناء على ذلك وصفت دار الإفتاء ما يقوم به صانعو المحتوى ممن يُعرفون بـ"البلوجر" من نشر المقاطع غير الأخلاقية على منصات الإعلام الرقمي لزيادة التفاعل حول ما يقومون به هو عَمَلٌ محرَّم شرعًا ومُجَرَّم أيضًا قانونًا، ففيه إشاعة الفاحشة في المجتمع، وهي جريمة أناط بها الشرع الشريف عقوبة عظيمة، إضافة لما يحويه هذا النشر بهذه الكيفية من التعارض الكلي مع حَثِّ الشرع الشريف على الستر والاستتار.
وتطالب دار الإفتاء المصرية أولياء الأمور بضرورة وقاية أبنائهم من الانسياق وراء هذا المحتوى الهزلي الذي يُقدَّم تحت ستار الترفيه، وتوجيههم نحو ترفيهٍ بديلٍ هادفٍ ومناسبٍ.
 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء