رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لكل مقامٍ مقال، ولكل مهرجان روح ومقام، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي يستحق مقالًا يليق بمكانته كسيد لمهرجانات الشرق الأوسط، وأحد أعمدة القوة الناعمة المصرية التي تجاوز صيتها حدود الزمان والمكان.

مع انطلاق دورته الـ46 اليوم، علينا أن نحتفي بالمهرجان السينمائي العريق وتاريخه الطويل الممتد بالسينما العالمية والعربية، منذ عام 1976، حين ولد الحلم على يد مجموعة من النقاد والكتّاب السينمائيين المصريين بقيادة الناقد كمال الملاخ، ليصبح اليوم المهرجان الأعرق والأهم في المنطقة.

أسس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في 16 أغسطس 1976 تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، ليكون أول مهرجان سينمائي دولي في العالم العربي وأفريقيا، والوحيد في المنطقة الحاصل على اعتماد الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF)، ما يضعه في مصاف المهرجانات العالمية من الفئة "A" إلى جانب "كان" و"برلين" و"فينيسيا".

ولم يكن مهرجان القاهرة مجرد تظاهرة فنية، بل ظلّ على مدار تاريخه منبرًا للمواقف الوطنية والإنسانية، ففي السنوات الأخيرة، برز دعمه الصريح للقضية الفلسطينية، حينما أعلن رئيس المهرجان الفنان حسين فهمي مقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل، وحرص على عرض أفلام فلسطينية تسلّط الضوء على المعاناة والهوية، كما شهدت دوراته عروضًا رمزية داعمة لفلسطين، مثل العرض الفولكلوري الفلسطيني في حفل الافتتاح العام الماضي.

ولم تغب القضايا الوطنية أيضًا عن المهرجان طوال مسيرته التي تصل إلى 49 عاما، وكان آخرها في مطلع نوفمبر 2025 من خلال تهنئة خاصة لمصر بافتتاح المتحف المصري الكبير، في إشارة إلى ارتباط السينما بتاريخ مصر العريق وحضارتها الممتدة آلاف السنين.

وعلى مدار تاريخه، قدّم المهرجان دعمًا مستمرًا لصنّاع السينما، سواء من خلال الجوائز التي تكرم الإبداع الفني، أو عبر منصة "أيام القاهرة لصناعة السينما" التي تشجع مشاريع الأفلام في مراحل التطوير والإنتاج

ومن بين تلك المشاريع، برز فيلم "كولونيا" الذي حصل على دعم المهرجان قبل أن يحقق حضورًا دوليًا لافتًا، وبرغم تعرض المهرجان لعدة أزمات بعد ثورة 25 يناير وتوقفه في إحدى الاعوام، إلا أن المهرجان ظل منبرا لمصر فيما بعد، وتجاوز أزماته بجهود القائمين عليه، ليستعيد بريقه.

نجوم العالم على السجادة الحمراء في القاهرة

ومنذ دورته الأولى، كان مهرجان القاهرة بوابة عبور لنجوم العالم إلى الشرق، وموعدًا سنويًا ينتظره عشاق السينما في كل مكان، فقد شهدت دوراته حضور أسماء خالدة في ذاكرة السينما العالمية والعربية، وأبرزنا كلوديا كاردينالي جاءت ضيفة شرف الدورة الأولى عام 1976 بدعوة من عمر الشريف، في لحظة أسست لعلاقة فنية وثقافية بين مصر والسينما الأوروبية.

وفي عام 1979 شاركت إليزابيث تايلور وكيرك دوجلاس في المهرجان إلى جانب النجم الفرنسي أوريكوما سباسي، وعام 1991 كان مميزًا بحضور أسطورة بوليوود أميتاب باتشان، الذي أحدثت زيارته لمصر زخمًا جماهيريًا هائلًا، حتى أن الأمن عجز عن السيطرة على الحشود في فندق الماريوت، وزار باتشان بيت الرئيس الراحل أنور السادات خلال إقامته.

وفي دورة 2005 كُرّم النجم العالمي مورجان فريمان عن مجمل أعماله، أما عام 2009، فشهد حضور النجمة المكسيكية سلمى حايك بفستان محتشم لفت الأنظار عالميًا.

ثم توالت الأسماء اللامعة ومنها: صوفيا لورين، بيتر جرينواي، نيكولاس كيدج، هيلاري سوانك، إليزابيث هيرلي، أدريان برودي، وغيرهم ممن مرّوا على السجادة الحمراء للقاهرة.

لا يمكن الحديث عن مهرجان القاهرة دون ذكر عمر الشريف، الذي مثّل واجهته الأنيقة أمام العالم، وكان أول من تولى الرئاسة الشرفية للمهرجان عام 2006، واستمر في هذا الدور حتى 2010 خلال رئاسة الفنان عزت أبو عوف، وبفضل صداقاته الواسعة في هوليوود وأوروبا، ساهم الشريف في استقطاب كبار النجوم لحضور المهرجان، مؤكدًا أن القاهرة تستحق مكانتها كعاصمة للسينما في العالم العربي.

ومن أبرز اللحظات الخالدة في ذاكرة الجمهور مع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تكريم النجمة سعاد حسني عام 1998 وهي رحلة علاجية بلندن، فبعثت رسالة صوتية مؤثرة قالت فيها: "هل أنا أستحق التكريم؟ هل الفنان يُكرم لأنه أدى واجبه الطبيعي؟ الأمل مازال ممكنًا"، كانت تلك الرسالة آخر ظهور فني صوتي للسندريلا، وظلت لحظة إنسانية خالدة في تاريخ المهرجان.

وأيضا عام 1999 تم تكريم فؤاد المهندس الذي بكى على المسرح أثناء تكريمه وسط تصفيق الجمهور، في مشهد يُلخّص مدى وفاء المهرجان لرموز الكوميديا المصرية.

وأيضا في عام 2017 تم تكريم سمير غانم في لحظة امتزجت فيها الدموع بالتصفيق، حين اعتلت دنيا وإيمي المسرح ليتسلما جائزة فاتن حمامة التقديرية لوالدهما، وسط دموع الراحلة دلال عبد العزيز في مشهد إنساني نادر.

الدورة 46.. على أعتاب اليوبيل الذهبي

دورة هذا العام تأتي في مرحلة مهمة من تاريخ المهرجان، إذ تمثل جسر العبور نحو اليوبيل الذهبي عام 2026، ليكمل المهرجان مسيرة 50 عاما، ولذلك علينا أن نعمل على تجهيزات الدورة المقبلة فور انتهاء هذه الدورة مباشرة، ويجب ألا ننتظر كثيرا لبدء الاستعداد لدورة قد تكون الأهم والأبرز في تاريخ المهرجان كاملا، ويجب أن نتعامل مع هذا الحدث باحترافية ولا نعتبره مجرد حدث فني، بل ذاكرة مصرية خالدة تُكتب بلغة الصورة.

ومثلما تجمع القاهرة بين الأصالة والتنوع، يجمع مهرجانها بين العالمي والعربي، بين الحنين للماضي والتطلع للمستقبل، إنه مرآة تعكس ملامح مصر الثقافية وحلمها الدائم بأن تكون منارة للفن والحرية والإبداع.

ومع انطلاق الدورة السادسة والأربعين، يبقى الوعد قائمًا بأن تكون هذه الدورة استثنائية بكل المقاييس، تليق بتاريخ يمتد لما يقارب خمسة عقود من الإبداع، وتفتح الطريق نحو احتفال ضخم بيوبيل المهرجان الذهبي العام القادم، فمهرجان القاهرة السينمائي الدولي هو حقا سيد المهرجانات بلا منازع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء