رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحالفات ما بعد الصمت: الفلبين تعيد رسم خريطة القوة في بحر الصين الجنوبي

بحر الصين الجنوبى
بحر الصين الجنوبى

عقب سنوات من الاحتكاكات بين السفن الصينية والفلبينية في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، صدر حكم قضائي دولي يفند ادعاءات بكين ويمنح مانيلا السيادة على هذا الممر المائي، وقعت كندا والفلبين إتفاقية تسمح لقوات كل من الدولتين بدخول أراضي الأخرى، وهي الأحدث في سلسلة اتفاقات تهدف إلى تعزيز الوجود العسكري والحد من النفوذ الصيني في المنطقة.


وبموجب الإتفاقية الموقعة في الثاني من نوفمبر 2025، تشارك القوات الكندية في دوريات بحرية مشتركة بالتعاون مع أستراليا واليابان والولايات المتحدة والفلبين؛ بهدف مواجهة طموحات بكين في بحر الصين الجنوبي، كما سيعزز العلاقات بين الجيش الفلبيني والكندي، وسيعطي زخماً لاستراتيجية أوتاوا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي تدعو إلى وجود متقدم في المنطقة
خلفية عن تصاعد التوتر بين الصين والفلبين

 

يرجع تاريخ التوترات في بحر الصين الجنوبي بين الفلبين والصين إلى تعزيز بكين حضورها العسكري في المناطق البحرية المتنازع عليها، إذ تواصل الصين أنشطتها في بناء الجزر الاصطناعية ونشر معدات مراقبة متقدمة في مناطق تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، رغم حكم المحكمة الدولية لعام 2016 الذي أكد حقوق الفلبين في هذه المياه.


وردّت مانيلا على التحركات الصينية عبر تكثيف دورياتها البحرية وتعزيز المراقبة، بالإضافة إلى تعزيز تحالفاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة واليابان، كما أطلقت الحكومة الفلبينية حملات إعلامية لتوثيق ما تصفه بـ«التحركات الاستفزازية» من جانب الصين، في محاولة للضغط على بكين دوليًا ورفع الوعي بالقضية.
 

وفي المقابل، أصدرت الصين تحذيرات رسمية للفلبين، مطالبةً بوقف ما وصفته بـ«الاستفزازات» ورفض أي تدخل خارجي في النزاع؛ ولذلك فإن استمرار هذا التصعيد قد يهدد حرية الملاحة في أحد أهم الطرق البحرية العالمية، ويزيد من احتمالات تدخل القوى الدولية في النزاع الإقليمي.
 

وتأتي الاتفاقية الأخيرة كرسالة إلى بكين مفادها أن الفلبين توسّع تحالفاتها الأمنية، وأن كندا تدخل بنشاط أكبر في منطقة الهند‑المحيط الهادئ، وتضاعف من قدرات الفلبين على إجراء تدريبات وتعاون متعدد الجنسيات في المناطق المتنازع عليها، مما قد يزيد من الضغوط على الصين أو يعقّد حساباتها.

دلالات التعاون الكندي_الفلبيني 

تُظهر هذه التحركات أن الفلبين تتبنى نهجًا متعدد الأبعاد يجمع بين السياسة الداخلية، التحالفات الدولية، وحماية المصالح الوطنية، ومن المتوقع أن يشجع  هذا النموذج دولًا غربية أخرى على تعزيز الشراكات الدفاعية المتعددة، في الوقت الذي يواجهون فيه تحديات جيوسياسية مع قوى إقليمية مثل الصين.

وتسعى مانيلا إلى تعزيز القدرات الدفاعية؛ بحيث تتمكن الفلبين من تحسين قدراتها في مراقبة مناطق بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، وتوسيع شبكة الرصد والدفاع البحري ضد أي تحركات استفزازية من بكين، بالإضافة إلى  اعتبار أي تصرف أحادي من الصين حادث استفزازي  قد يستوجب دعمًا غربيًا ملموسًا.

كما تسمح الإتفاقية بنقل الخبرات والتقنيات الحديثة، بما يعزز الجاهزية الدفاعية للفلـبين ويتيح فرصًا لتطوير القوات المحلية وفق معايير دولية، وتجعلها ضمن شبكة أوسع من الشراكات الدفاعية في منطقة الهند‑المحيط الهادئ، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، ما يزيد من تعقيد حسابات الصين في النزاعات البحرية.
 

الإيجابيات التي تمنحها الإتفاقية للفلبين، باعتبارها خطوة استراتيجية بعيدة المدى، قد تُساهم في تهدئة الصراعات وتمنح حالة من  الاستقرار الإقليمي على المدى المتوسط، قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تصعيد محتمل في التوترات مع الصين، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها، إذا ما رأت بكين في تواجد كندا دعماً مباشرًا للفلـبين في النزاعات البحرية.

موازين القوى بين مانيلا وبكين..لمن الغلبة؟

عملت الفلبين على تقوية موقفها عبر سلسلة تدريبات ومشاريع تحديث ضخمة، شملت تنفيذ تدريبات صاروخية باستخدام منصات الصواريخ الحديثة من سفن وقوارب العمل، إلى جانب نشر دوريات بحرية صغيرة لتحسين سرعة الاستجابة في المناطق المتنازع عليه، وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية مانيلا لتعزيز وجودها البحري ومراقبة تحركات بكين بشكل أفضل.

ورغم ما سبق، يبقى التفوق العددي والتكنولوجي لصالح الصين، التي تمتلك أسطولاً ضخماً يضم أكثر من 400 قطعة بحرية في فئات متعددة، بما في ذلك حاملات طائرات وسفن إنزال برمائية وغواصات حديثة، إضافة إلى قواعد بحرية محصنة في جزيرة هاينان والمناطق الجنوبية، ما يمنحها القدرة على عمليات مستمرة في المنطقة وفرض المبادرة في النزاعات البحرية.

لذلك، تظل قدرات الفلبين على مواجهة الصين مباشرة محدودة، فبينما تعمل على تعزيز جاهزيتها البحرية وتطوير استراتيجيات المراقبة، إلا أن الفجوة في القدرات والبنية التحتية والموارد المالية تمثل تحدياً كبيراً، إذ تمنح الأنشطة المكثفة في الجزر المتنازع عليها والنقاط الاستراتيجية اليد العليا  للصين وتزيد من الضغط الدبلوماسي والعسكري على مانيلا، ما يبرز الحاجة للفلبين إلى تحالفات دولية لتعويض هذا الفارق.

وأخيرً، تعكس الخبرة العملية أن المعادلة ليست مجرد حجم أسطول، بل تتعلق بكيفية استغلال التحالفات، مراقبة التوغلات، وفرض وجود مستدام في المياه المتنازع عليها، ما يجعل التوازن البحري في المنطقة ديناميكياً ويعتمد على الاستخدام الاستراتيجي أكثر من مجرد التفوق العددي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء