مصطفى عبد الله: "القاهرة للكتاب" سيحقق نجاحًا منقطع النظير ببركة نجيب محفوظ|خاص
قال الكاتب والناقد مصطفى عبد الله، رئيس التحرير الأسبق بمؤسسة أخبار اليوم، في تصريح خاص لـ"إيجبتك": سرني كثيرًا أن تقر اللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب اختيار نجيب محفوظ شخصية العام لمعرض الكتاب المقبل، وذلك لعدة أسباب من أهمها أن نجيب محفوظ من الأحجار النفيسة التي تزداد قيمة وألقًا مع الزمن، وأنه دون جدال أيقونة الثقافة العربية الحديثة ورسولها إلى العالم، فهو الوحيد الذي جلب نوبل جائزة الجوائز لثقافتنا العربية، كما أنه سيد الرواية العربية وضمير أدبنا الذي لم يمكن لأحد أن ينطقه ما لا يؤمن به، ولذلك أتوقع لهذه الدورة من معرض القاهرة الدولي للكتاب أن تحقق نجاحًا منقطع النظير ببركة نجيب محفوظ الذي أعتفد أننا لم نوفيه حقه من الاهتمام، وزلا سيما في مئوية ميلاده، لأسباب لا تخفى على أحد.
ويضيف "عبدالله" لعل الرغبة الصادقة في تكريم نجيب محفوظ بعيدًا عن المؤسسات هو الذي دفعني للتفكير مع الأديب شريف مليكة في عمل كتاب جماعي قبل نحو ثلاث سنوات بعنوان "نجيب محفوظ شرقًا وغربًا" لنتدارك ما كان حدث من إهمال لذكرى هذا الرمز العظيم، ورأينا ألا يقتصر الكتاب علينا نحن الاثنين فقط، بل يتعاون في كتابة فصوله 21 قلمًا بين عرب ومستعربين ممن بقدرون قيمة الأستاذ.
وأردف قائلًا: طلبنا من العالم الدكتور أحمد درويش، شفاه الله وعافاه، تقديم هذا السِفر التكريمي غير المسبوق.
وأشار "عبد الله" إلى أن عميد الرواية العربية لم يكن كاتبًا عاديًّا، بل كان كاتبًا فذًّا، وكان إخلاصه لمحليته ولقضايا وطنه سبيلًا لانطلاقه عالميًّا، فأصبح أدبه عاكسًا للأدب العربي كافة، وليس الأدب المصري فحسب، وكان ولا يزال أول كاتب عربي يُتوَّج بجائرة نوبل للآداب عام 1988، وهي الجائزة الأكبر والأرقى في العالم.
ويوضح أن هذا السِّفر التِّذكاري المهم جاء ليؤكد أن الغياب لم يُفقِد عميد الرواية العربية نجيب محفوظ حضوره وألقه؛ فهو لا يزال بعد مرور سنوات على وفاته، مؤثرًا في الساحتين العربية والعالمية، بدليل حضور أدبه في كبريات جامعات العالم، وإقبال أشهر المترجمين على نقل رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته إلى كثير من اللغات الحيَّة، فضلًا عن الارتفاع اللافت لأرقام مبيعات كتبه حتى اليوم.
كتاب نجيب محفوط شرقا وغربا
وهذا الكتاب يضُم مجموعة من الدراسات والشهادات المهمة التي تدور حول نجيب محفوظ الكاتب والإنسان؛ فيُقدِّم الدكتور صبري حافظ دراسة بانورامية عن حركة ترجمة الأدب العربي إلى لغات العالم، وكيف تغيَّر إيقاعها بفضل تتويج «محفوظ» بجائزة نوبل، ويكتب روجر ألن عن أهمية إبداع محفوظ على المستوى العالمي، وهو يُطلعنا على الرسائل المتبادلة بينهما، بينما يتناول ريموند ستوك تجربته مع ترجمة قصص «محفوظ» القصيرة إلى الإنجليزية، وقد حرصنا على أن ننشـر المقالين في لغتهما الأصلية الإنجليزية، أما الدكتور حسين حمودة فيتوقف أمام فكرة «العتبة» على المستويين الحرفي والمجازي في روايات نجيب محفوظ، بينما بحث الدكتور محمد آيت ميهوب حول اختلاف النقاد في فهم رواية المرايا لنجيب محفوظ.
ويشترك كل من الدكتور أحمد درويش - صاحب مقدمة هذا الكتاب التذكاري - والدكتور أحمد صبرة في تناولين مختلفين لأكثر أعمال «محفوظ» إثارة للجدل «أولاد حارتنا»، وفي المقابل يشترك الدكتور السيد فضل، والدكتورة رشا صالح من منظورَين مختلفَين أيضًا في إضاءة جوانب عمل آخر من أعمال «محفوظ» المثيرة، وهو «رحلة ابن فطومة».
ويكتب الدكتور عبدالقادر فيدوح عن «الملامح الفكرية في روايات نجيب محفوظ»، بينما يطرح الروائي أبوبكر العيادي رؤية خاصة لـ «محفوظ» وأدبه، ويختار الدكتور عبدالبديع عبدالله أن يكتب عن نجيب «محفوظ» وطفراته الثلاث في الفن، في حين تُحلِّل الدكتورة فوزية العشماوي شخصيات «محفوظ» النسائية التي تعكس تطور المرأة المصرية واندماجها في المجتمع.
ومن باب التخفيف على القارئ، يعود بنا الأديب أحمد كمال زكي إلى أيام طفولة وشباب نجيب محفوظ، مستدعيًا أحداث المرحلة التي كان فيها عقل «محفوظ» في قدميه! فتحت عنوان مثير هو: «الحرِّيف وأسرع هدَّاف في زمانه!» يكشف لنا عن كثير من المفاجآت التي لا تخطر ببال أحد من قُرَّاء أدب «محفوظ»، حتى إن القارئ ربما يتساءل: وكيف كان الحال إذا لم يتخلَّ محفوظ عن عشق الساحرة المستديرة؟!
وإذا كُنَّا تناولنا نجيب محفوظ الهدَّاف الحرِّيف، فنحن نُقدِّم «محفوظ» السينمائي، كاتب السيناريو لعدد من الأفلام السينمائية المميزة، وصاحب أكبر نصيب من الروايات التي أمدَّت شاشة السينما بروايات أُنتجت منها أخلد الأفلام على امتداد تاريخ السينما المصرية، وذلك من خلال الروائي ناصر عراق الذي يكتب عن «العائش في محراب السينما المصرية».
ولا يخلو الكتاب في أكثر من موضع فيه من آراء مهمَّة لنجيب محفوظ ذاته، ولعل أهمها تلك التي أدلى بها خلال إقامته بالإسكندرية في شهور الصيف، وظلت تعيش في ذاكرة أصحابها فقط، إلى أن تحمَّست وصديقي الأديب السكندري الراحل محمد الجمل فأخرجناها من العتمة إلى النور في أكثر من مناسبة لتستقر في شكلها النهائي هنا بين دفتي هذا الكتاب، مع كثير من شهادات مُريدي «محفوظ» وعُشَّاق أدبه وفنِّه ممَّن شدُّوا الرِّحال إلى مجالسه القاهرية المختلفة من مدن وعواصم كثيرة، ولا سيما بعد حصوله على جائزة نوبل، فسجَّلوا لنا شهاداتهم عن «محفوظ» الإنسان، واصفين فيها الأجواء التي كانت تحيط بمجلسه، ومن هؤلاء: الدكتور شريف مليكة الذي وصفه بـ «صاحب القلم السَّخي»، وسامي البحيري الذي نعته بـ «حضرة المحترم العائش في الحقيقة»، والدكتور محمود الشنواني الذي توصَّل في شهادته إلى «أسرار التركيبة المحفوظية»؛ وثلاثتهم من مريدي الراحل الباقي.. أما الكاتب أحمد فضل شبلول فيكتب عن قضية الكتابة عند نجيب محفوظ.
وتبقى الصور آثارًا خالدة على جوانب من تاريخ «محفوظ» الباقي على مرِّ الزمن بقاءَ آثار أجداده من المصريين القدماء، ومن الإسكندرية أيضًا كتب المفكر والروائي أستاذ الطب النفسي ماجد موريس دراسة عن محفوظ والصوفية.
ولأن تأثير نجيب محفوظ وأدبه لم يقتصر على وطنه، بل امتدَّ شرقًا وغربًا، فقد اخترنا للكتاب هذا العنوان الدَّال: «نجيب محفوظ.. شرقًا وغربًا»، فما زال نجيب محفوظ يعيش بيننا بآثاره الأدبية الخالدة، وسيظل «عائشًا» بروحه التي تشيع بين أعماله الكثيرة الثرية؛ فمَن أبدع هذا الصرح الأدبي الشامخ، وأسهم في رِفعة شأن الأدب العربي في العالم كله، لا يمكن إلا أن يعيش، حتى لو غيَّبه الموت منذ سنين.