هيثم الحاج علي: الثقافة الجماهيرية بالستينيات كانت مشروعًا لبناء الهوية |حوار
كشف الدكتور هيثم الحاج علي الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة، في حوار خاص لـ «إيجبتكِ» عن رؤيته لمفهوم الثقافة الجماهيرية في فترة الستينيات، بوصفها العصر الذهبي للثقافة المصرية، موضحًا علاقتها بالمشروع القومي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ودور الوزير ثروت عكاشة في بناء البنية التحتية للمؤسسة الثقافية المصرية، وصولًا إلى تأملاته حول التحديات الراهنة ودور المثقف في العصر الرقمي، ورسالة خاصة يوجهها إلى الشباب حول الحفاظ على الهوية المصرية. وإلى نص الحوار..
كيف ترى التصور العام للثقافة الجماهيرية في فترة الستينيات؟
هذا كان له علاقة بمشروع تنمية الطبقة الوسطى الذي كان واحدًا من أهم مشروعات جمال عبد الناصر، فكرة تنمية وعي الطبقة الوسطى واتساع رقعتها كما كان وضعه ابن جمال عبد الناصر في نقابة العمال وفي الجامعة العمالية، وفي التوسع في مجانية التعليم والتعليم العالي، لأن الطبقة الوسطى تحديدًا كانت هي المعنية بالمشروع الثقافي، كذلك الثقافة الجماهيرية في الستينيات كانت متطورة عن الجامعة الشعبية أو الجامعة العمالية التي كانت موجودة في الخمسينيات.
كان هذا التطور مرتبطًا بالمشروع القومي الذي تبناه جمال عبد الناصر، والذي كان جزءًا من مقاومة الاستعمار، الفكرة كلها كانت قائمة على دعم الهوية المصرية والعربية عند المواطنين عن طريق التعليم والتثقيف، لأن هذا الدعم كان خط الدفاع الأول والأعم الذي ركز عليه عبد الناصر.
لماذا تُعد تلك المرحلة العصر الذهبي للثقافة المصرية؟
شهدنا مشهدًا ثقافيًا متنوعًا ومتشعبًا ومطلعًا يحاول أن يستوعب كل الاتجاهات الحديثة ويستضيف كبار الكتاب والمفكرين والفنانين من مصر والعالم، فقد زار مصر في تلك الفترة عدد كبير من الفلاسفة والأدباء والفنانين العالميين، وشاركوا في مؤتمراتها الثقافية، كما تجلى هذا الزخم في إنشاء أول معرض كتاب عام 1969.
كل ذلك كان مرتبطًا بفكرة تنمية الوعي بالهوية، وهو ما جعل المشهد الثقافي جزءًا مهمًا من المشهد الاجتماعي المصري، فكانت هناك مكتبات عامرة، والناس معتادة على القراءة، والحوارات الفكرية والأدبية والفنية تُطرح في البيوت المصرية، وكذلك ازدهر المسرح وانتشر في أنحاء البلاد، هذا كله كان نتيجة لوجود مشروع لبناء الهوية وتنميتها بشكل متكامل.
إلى أي مدى أسهم الدكتور ثروت عكاشة في صياغة هذا المشهد الثقافي؟
ثروت عكاشة بالتأكيد حالة استثنائية جدًا، هو أحد الضباط الأحرار، يمكن أن نقول إنه من الصف الثاني فيهم، لكنه كان مهتمًا بالثقافة منذ بداياته، وحصل على الدكتوراه في الأدب أو التاريخ كما أظن، وكان شغوفًا جدًا بفكرة الترجمة، يمكن القول إنه كان الذراع الثقافي داخل مجلس قيادة الثورة في ذلك الوقت، ولذلك حين تولى وزارة الثقافة أكثر من مرة خلال الستينيات، وكذلك رئاسته للمجلس الأعلى للفنون والآداب الذي صار لاحقًا المجلس الأعلى للثقافة كان بالفعل صاحب مشروع متكامل.
حتى وإن اعتبرنا ما قام به مشروعًا شخصيًا، فإن هناك تطابقًا واضحًا بين رؤيته الخاصة كمثقف وبين رؤية الدولة في ذلك الوقت لفكرة تنمية الوعي على الأرض.
ثروت عكاشة كان واحدًا من الذين وضعوا أسس المؤسسة الثقافية في مصر، فقد أرسى القواعد الأولى للبنية التحتية الثقافية، وكانت هذه البنية ذات أثر عميق، مشروعه تجلى في الأغنية الشهيرة لصلاح جاهين "تمثال رخام على الترعة ومبنى كبير على الشط"، وهي التي جسدت فكرة أن الثقافة الراقية يجب أن تصل إلى كل القرى.
حرصه على الربط بين المركز والأقاليم، إيمانًا منه بأن الثقافة فعل شعبي في الأساس يجب أن تكون ملكًا للشعب ونابعة منه، لذلك كان دائم التوجه إلى المحافظات، فافتتح أول مسرح روماني في قرية إسماعيل مي بمحافظة المنوفية عام 1968 أو 1969، وأسس شكل الثقافة الجماهيرية التي كان هدفها أن تُعرف الجماهير في الأقاليم على الثقافة الراقية وتستكشف المواهب الجديدة لدعم المشهد الثقافي المصري.
كانت الوزارة في عهده تعمل على محورين متوازيين تعليم الناس الفن الراقي، واكتشاف الموهوبين منهم، فكان الفنانون يزورون الأقاليم للعروض، ويُكتشف من أبناء الأقاليم من يمتلك الموهبة فيُستقدم إلى القاهرة، لتدور دائرة كاملة من التفاعل الثقافي بين المركز والهامش.
وما قام به زكريا الحجاوي في جولاته بالريف المصري لاكتشاف الفرق الشعبية والمواهب الأصيلة مثل فرقة الغناء الشعبي، كان من أهم إنجازات تلك المرحلة التي تؤكد أن وزارة الثقافة في عهد ثروت عكاشة لم تكن تعمل في اتجاه واحد، بل على مسارين متكاملين.
وما الذي ميز رؤية ثروت عكاشة الفكرية للمشروع الثقافي؟
رؤية ثروت عكاشة كانت مستندة في الأساس إلى أفكار طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، الذي تناول طبقات الهوية المصرية وكيف أن مصر ليست فرعونية فقط، ولا عربية فقط، ولا إسلامية فقط، ولا إفريقية فقط، ولا تنتمي إلى البحر المتوسط وحده، بل هي نتاج لكل هذه الطبقات مجتمعة.
مشروع ثروت عكاشة كان قائمًا على هذه الاتجاهات الخمسة، يسعى إلى دعم علاقة الهوية المصرية بكل واحدة منها، وكان يعمل على ذلك بوعي وتخطيط، حتى مشروعات الترفيه كإنشاء السيرك القومي كانت بالنسبة له جزءًا من بناء ثقافي مؤسسي قائم على دراسة وتجريب، فقد أنشأ السيرك المصري على أسس عالمية حديثة بعد دراسة تجربة السيرك الروسي، وهذا يعكس تفكيره المختلف في دعم الثقافة المصرية من خلال العلم والتعليم، وربط مصر بالتراث الإنساني في آن واحد.
ما أبرز إنجازاته على مستوى البنية التحتية للمؤسسة الثقافية؟
واحدة من أهم إنجازاته كانت أكاديمية الفنون التي جمعت عددًا من المعاهد الفنية، وضمت إليها أخرى جديدة أُنشئت في عهده، لتصبح الأكاديمية التي خرجت أجيالًا من الفنانين المصريين والعرب والأفارقة.
هذه الأكاديمية كانت تجسيدًا لفكرته في التعامل مع الفنون على أساس علمي حديث، فغدت مركز إشعاع ثقافي عربي وإفريقي.
وإذا عددنا إنجازاته فسنجدها كثيرة جدًا: إنشاء مسرح العرائس، وتنمية المسرح القومي، ودعم فرقة رضا وتحويلها إلى فرقة قومية، وإنشاء فرقة قومية أخرى للفنون الشعبية، ودعم مشروعات الترجمة مثل سلسلة الألف كتاب الأولى والثانية، إضافة إلى تأسيس أول معرض دولي للكتاب في القاهرة.
كل هذه المشروعات تمثل الأساس الذي بُنيت عليه المؤسسة الثقافية المصرية الحديثة، وهي البنية التي طورها لاحقًا الوزير فاروق حسني، الذي استكمل البناء التقليدي للمؤسسة وأضاف إليه طابعًا عالميًا من خلال مهرجانات المسرح التجريبي ومسرح الأقاليم وغيرهما، بحيث أصبحت العلاقة بين الداخل والخارج الثقافي المصري أكثر توازنًا وثراءً، نمت البنية الأساسية في تجوير المؤسسة، استطاع أن يدور هذا الإرث بما يتوافق مع العصر، ويتجلى ذلك في المتحف المصري الكبير هو واحد من المشروعات التي وضعها فاروق حسني لعناصر تنمية هذا الآرث.
كيف يمكن استلهام تجربة ثروت عكاشة في مواجهة تحديات العصر الرقمي؟
يمكننا أن نستلهم تجربة ثروت عكاشة في بناء سياسة ثقافية تواكب التحديات الجديدة، فاليوم نستطيع العمل بقوة على المنصات الرقمية، فالمهم ليس في وجود المنصات الرقمية ذاتها، بل في الهدف من ورائها، وأنا أظن أن المنصة الرقمية يجب ألا تكون مجرد منصة رقمية، بل يجب أن تكون محملة بوعي هذا العصر الرقمي بشكلٍ ما، بالتوجيه والإرشاد.
الآن، فكرة التوجيه والإرشاد لم تعد متاحة أو مقبولة، والمقبول هو الإتاحة والتنوع، وهذه هي الفكرة التي أظن أن كثيرًا من المؤسسات المصرية، خاصة الرسمية منها، تفتقدها، إذ تتعامل مع التحول الرقمي بوصفه تحولًا في الوسيط دون تحول في الرؤية.
سنحتاج، ونحن نبني الوسيط الجديد، إلى أن نُحول رؤيتنا لتواكب هذا الشكل الجديد من الوعي الرقمي كذلك، ولهذا نجد أن كثيرًا من المشروعات الرقمية التي أنشئت داخل جهات مؤسسية لا تلقى الانتشار الكافي، بعكس المشروعات التي يُنفذها القطاع الخاص، لأن افتقاد الرؤية هو المشكلة الحقيقية.
وأظن أننا نستطيع أن نقوم ذلك بسهولة، فالمسألة لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، فكل الإمكانيات موجودة، لكن الوعي والرؤية هما العنصران اللذان يمكن أن يضمنا النجاح داخل هذا الإطار.
هل ما زال المثقف يؤدي الدور الذي كان يؤديه في الستينيات؟
ما زال الدور قائمًا، وإن اختلفت الأدوات، المثقف في الستينيات كان المثقف العضوي الطليعي الذي يوجه شعبه ويقوده نحو التطور، هذا الدور لا يزال موجودًا وإن تبدل شكله.
نرى ذلك مثلًا في اعتصام المثقفين بوزارة الثقافة في الثلاثين من يونيو، حيث كانوا طليعة الشعب والموجهين له، لكن في العصر الحالي لم يعد المثقف هو المرشد المتعالي، بل أصبح ناصحًا أمينًا يشير إلى مواطن الخطر ويدافع عن الهوية دون أن يعلو على المجتمع.
الثقافة اليوم أصبحت أكثر تنوعًا، والمثقف لم يعد حكرًا على فئة بعينها، بل يمكن أن نجد أنماطًا مختلفة من المثقفين في مجالات متعددة.
ما الرسالة التي توجهها إلى الشباب المصري اليوم؟
مستقبلهم في هذا البلد مرهون بدفاعهم عن هويتهم، الهوية المصرية مستهدفة كما كل الهويات الإقليمية، بهدف محو الخصوصيات وخلق مواطن عالمي منمط.
الخطر الحقيقي لن ننجو منه إلا بالتمسك بوعينا بثقافتنا وهويتنا وتاريخنا وكل ما يجعلنا مصريين، هذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل واقع نعيشه بالفعل.
لقد ظهرت في السنوات الأخيرة مظاهر متعددة للهجوم على الهوية المصرية، كما ظهر في المقابل من يدافع عنها بتعريفاتها المختلفة، سواء كانت مصرية أو عربية أو إسلامية أو إفريقية أو متوسطية.
لكننا نحتاج أن ينظر الشباب إلى الهوية بوصفها الضمانة الوحيدة لاستمرارهم وبقائهم، فهي السند الحقيقي الذي يحفظ الوطن ويؤسس لمستقبله.