في المشهد العربي المعاصر، تتبدّى أمامنا خريطة معقدة من المواقف والسياسات والمصالح المتشابكة، كأنّها لوحة فسيفساء لا تخلو من التنافر، ولكنها — في جوهرها — تحمل إمكانية تشكيل صورة متكاملة إن أُحسن ترتيبها.
إنّ تباين الإرادات السياسية بين الدول العربية ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتاج طبيعي لاختلاف المسارات التاريخية، وتباين الأنظمة السياسية، وتفاوت مستويات التنمية، وتعدّد التحالفات الدولية.
غير أنّ المشكلة لا تكمن في هذا التباين ذاته، بل في عجزنا عن توظيفه كعامل إثراء للعمل العربي المشترك.
الواقع العربي يعيش منذ عقود حالة من التردد بين الرغبة في الوحدة ومقتضيات السيادة الوطنية، بين الحلم القومي ومتطلبات المصالح القطرية.
هناك دول تسعى إلى الانفتاح والتحديث، وأخرى تفضل الحذر والمحافظة، وثالثة تنشغل بصراعاتها الداخلية.
هذا التنوّع في الإرادات جعل المواقف العربية تجاه القضايا الكبرى — كالأمن الإقليمي أو العلاقات الدولية أو التنمية المشتركة — تتسم بالتفاوت والضبابية أحياناً.
ومع ذلك، فإنّ في هذا الاختلاف يمثل بذوراً لإمكانيات غير محدودة إذا ما أُدير بذكاء سياسي ورؤية استراتيجية.
إنّ المطلوب اليوم هو توصيف واقعنا وتحديد التهديدات والتحديات التي أصبحت قاب قوسين أو أدني من الجميع، من ثم نحن بحاجة ليس توحيد الإرادات بقدر تنسيقها، ولا فرض الرؤى بقدر تبادلها.
التجارب الإقليمية الناجحة — من الاتحاد الأوروبي إلى تجمعات آسيا وأفريقيا — لم تبدأ بوحدة الرأي، بل بوحدة الهدف والمصلحة.
ويمكن للعرب أن يسيروا في الاتجاه ذاته عبر بناء شراكات مرنة في المجالات التي تتقاطع فيها مصالحهم: الاقتصاد، الأمن الغذائي والمائي، الطاقة، والبحث العلمي. هذه المسارات العملية يمكن أن تخلق شبكة مصالح متبادلة، تُمهد بدورها لتقارب سياسي تدريجي يقوم على الثقة لا على الشعارات.
كما أن التنوع في التوجهات السياسية يمكن أن يكون رصيداً عربياً على الساحة الدولية، يمكن توظيفه لصالح قضايانا إذا تم التنسيق بيننا، فلكل دولة علاقاتها الإقليمية والدولية التي من الممكن استخدامها لحل قضايا الدول الأخرى.
فبدلاً من أن تتنازع الدول العربية مواقعها بين الشرق والغرب، يمكنها أن توظف هذا التعدد في بناء سياسة خارجية عربية متوازنة، تتيح لها هامشاً أوسع من الحركة والمناورة في عالم شديد التحول.
لقد حانت لحظة المراجعة، فالعالم يتغير بوتيرة لا ترحم، ومن لا يمتلك رؤية مشتركة يظل أسير تشرذمه، إنّ تباين الإرادات العربية ليس عيباً، بل هو دليل حياة.
المهم أن ننتقل به من طور التنافر إلى طور التعامل، ومن منطق التنافس إلى منطق التعاون. عندها فقط يمكن أن يتجدد الحلم العربي، لا كشعارٍ يرفع في المؤتمرات، بل كواقعٍ تُبنى عليه نهضة الأمة ومستقبلها.