قطاع البترول.. نجاح فوق السطح وأزمات فى العمق وإنذار لإصلاح لا يحتمل التأخير
يعد قطاع البترول من أهم القطاعات الاقتصادية للدولة المصرية، نظرا لدوره المحوري في دعم الاقتصاد القومي، وتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة، فضلًا عن كونه أحد أهم مصادر الدخل الأجنبي والاستثمارات المباشرة.
ورغم هذا الدور الاستراتيجي، أنهى القطاع عام 2025 وسط مشهد متناقض يجمع بين تحسن نسبي في الإنتاج، وتقدم محدود في التحول الرقمي، مقابل استمرار أزمات هيكلية وضغوط تمويلية خانقة تعرقل مسار الإصلاح وتجعل الاستدامة هدفًا مؤجلًا.
وكشفت مصادر مطلعة بقطاع البترول لـ«إيجبتك» أن عام 2025 انتهى بمشهد متباين داخل القطاع، حيث اجتمع تحسن نسبي في الإنتاج وبعض التقدم في الرقمنة، مع استمرار أزمات هيكلية وضغوط تمويلية خانقة تحد من قدرة الدولة على جذب الاستثمارات وتحقيق الاستدامة، مؤكدة أن أغلب أزمات القطاع الحالية ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت منذ فترة المهندس طارق الملا وزير البترول السابق، والذى تولى المنصب منذ أكثر من 9 سنوات.
ملف الغاز الطبيعي.. تحسن في الإنتاج واستمرار فجوة الاستيراد
أوضحت المصادر أن إنتاج الغاز الطبيعي ارتفع من 3.5 إلى 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا خلال عام، نتيجة ربط مشروعات تطوير جديدة وإعادة تشغيل بعض الحقول القديمة دون ضخ استثمارات ضخمة، معتبرة أن هذا التحسن “إشارة إيجابية لا ترقى إلى طفرة حقيقية”.
ورغم التحسن، لا تزال الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك واسعة، إذ يتجاوز الطلب المحلي 6.5 مليار قدم مكعب يوميًا مقابل إنتاج يبلغ 4.2 مليار فقط، ما اضطر الدولة إلى استيراد نحو 2 مليار قدم مكعب يوميًا من الخارج، أبرزها من إسرائيل ووحدات التغييز العائمة، وهو ما يمثل عبئًا متزايدًا على الموازنة العامة بسبب الكلفة الدولارية المرتفعة وشُح العملة الصعبة.

التحول الرقمي.. تقدم في المنصات وتراجع في الإقبال
أكدت المصادر أن المنصات الرقمية الخاصة ببيانات البحث والاستكشاف أصبحت مفعّلة بنسبة 100%، ما أتاح للمستثمرين الاطلاع على الخرائط والمسوحات الجيولوجية إلكترونيًا، واعتُبر ذلك تحولًا نوعيًا في بيئة الاستثمار.
لكن رغم هذا التطور، ظل الإقبال على المزايدات الجديدة محدودًا بسبب الشروط التعاقدية الصارمة، وبطء الإجراءات، وضعف المرونة في توزيع الإنتاج والعوائد.
البتروكيماويات.. مشروعات متوقفة وتأجيل التنفيذ
ورغم مساعي الدولة لجذب استثمارات كبرى، لم تدخل عدة مشروعات بتروكيماوية حيز التنفيذ رغم الإعلان عنها مرارًا، أبرزها مجمع العلمين ومجمع السويس الجديد، بسبب تأخر التمويل وتقلب سعر الصرف وضعف الحوافز الاستثمارية.
دعم الوقود.. عبء مستمر على الموازنة
بحسب المصادر، ما زالت الدولة تتحمل دعمًا ضخمًا للوقود يُقدر بنحو 154 مليار جنيه في موازنة 2025/2026، أي ما يعادل 37% من إجمالي التكلفة.
ويصل الدعم في السولار والبوتاجاز إلى 35-37%، وفي البنزين من 13 إلى 18%، فيما تظل أسعار الغاز للمصانع أقل تنافسية مقارنة بدول مثل تركيا والهند، مما يضعف تنافسية الصناعة المصرية إقليميًا.

العاملون في القطاع.. الكفاءات تغادر والمنظومة الإدارية مترهلة والبقاء ل"الشلة "
كشفت المصادر أن أزمات العاملين بالقطاع تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة غياب العدالة في التعيينات والترقيات، واعتماد الاختيارات على العلاقات الشخصية لا الكفاءة المهنية، فلا يوجد معيار لاختيار الكوادر خاصة رؤساء مجالس الإدارات، ويكون الاختيار حسب الأهواء والعلاقات ولا عزاء للتعليم والتدريب والكفاءة.
وأدى ضعف الرواتب إلى فقدان عدد كبير من الكفاءات الفنية والإدارية لصالح فرص خارجية أفضل، ما أثر سلبًا على كفاءة التشغيل والإنتاج.
الاستثمارات.. من صعود 2016 إلى تراجع مستمر
وأشارت المصادر إلى أن القطاع شهد ذروته في جذب الاستثمارات خلال عامي 2015 و2016 مع دخول شركة "إيني" الإيطالية رغم صعوبة الظروف السياسية آنذاك، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا يستدعي مراجعة العقود الحالية وإعادة هيكلة الحوافز للمستثمرين.
الفرص غير المستغلة.. الغاز في البحر والنفط في الصحراء الغربية
وأكدت المصادر أن مصر لم تستغل بعد كامل إمكانياتها في مياه البحر المتوسط وشمال شرق المتوسط، حيث توجد مناطق حصل عليها شركاء أجانب ولم تستغل بعد.
أما في ملف النفط، فيبلغ الإنتاج نحو 510 آلاف برميل يوميًا مقابل استهلاك يصل إلى 1.3 مليون برميل، ما يجبر الدولة على استيراد نحو 750 ألف برميل يوميًا رغم وجود مناطق واعدة في الصحراء الغربية يمكن أن تخفف العجز بشكل ملموس.
مستحقات متراكمة وتشابكات مالية مع الكهرباء
وبلغت مستحقات الشركاء الأجانب نحو 4.3 مليار دولار، المتبقي منها 1.6 مليار دولار، فيما وصلت مديونيات وزارة الكهرباء لقطاع البترول إلى 148 مليار جنيه، ما يعكس استمرار التشابكات المالية التي تفقد القطاع جزءًا من استقراره المالي.
التعدين.. قطاع يحتاج لإعادة هيكلة واستثمارات ضخمة
وأوضحت المصادر أن ملف التعدين لا يزال بحاجة إلى استثمارات ضخمة وإصلاح تشريعي وهيكلي، رغم جهود توحيد الإشراف في هيئة واحدة، معتبرة أن تحويل الثروة المعدنية إلى مصدر دخل فعلي يتطلب رؤية تنفيذية متكاملة وليس مجرد قرارات تنظيمية.
إصلاح هيكلي أو تحسن مؤقت
واختتمت المصادر تصريحاتها بالتأكيد على أن قطاع البترول المصري يمتلك إمكانيات ضخمة تؤهله للانطلاق، لكنه بحاجة إلى قرارات هيكلية جريئة تشمل تحسين الحوافز للمستثمرين، معالجة فجوة التمويل، تطوير نظم الحوكمة والتسعير، ووقف نزيف الكفاءات.
وأكدت المصادر أنه من دون إصلاح حقيقي، سيظل أي تحسن في الإنتاج مجرد رقم عابر لا يصنع استدامة ولا تنافسية حقيقية.
أرقام تخص قطاع البترول
إنتاج الغاز الطبيعي: 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا
استهلاك الغاز المحلي: 6.5 مليار قدم مكعب يوميًا
دعم الوقود في الموازنة: 154 مليار جنيه
إنتاج الزيت الخام: 510 آلاف برميل يوميًا
الاستيراد النفطي: 750 ألف برميل يوميًا
الاستهلاك: 1.3 مليون برميل يوميا
مستحقات الشركاء الأجانب: 4.3 مليار دولار (المتبقي 1.6 مليار دولار)
مديونيات الكهرباء لقطاع البترول: 148 مليار جنيه
إنتاج البوتاجاز: 2.2 مليون طن مقابل استيراد 1.8 مليون طن
إنتاج السولار 43% مقابل استيراد 47%