وجيها في الدنيا والآخرة.. وصف المسيح من الإنجيل والسنة وكتب العقاد
بالنسبة للناس، كان المسيح راعيا، يخلص في عظاته ويبكي طويلا، لا يعرف من الضحك إلا الابتسامة الخفيفة، وينشغل فقط بشريعة الحب وقتل الكبرياء في القلوب، فكان لطيفا وديعا حين علمهم حساب النفس للنفس وتهذيب الروح بالمغفرة وقبول الأخرين حتى لو كانت عيوبهم وزلاتهم أثقل من الجبال.
في الناصرة، لم يلتفت الناس لشعره الناعم الطويل وعيونه الزرقاء، كانوا يمشون خلفه ويدعونه المعلم الصالح الذي يصنع المعجزات المذهلة، لأنه الوحيد الذي أتى من عذراء ويقيم الموتى بالأمر، والجميل الذي له -بدل الخال عشرة وعشرين في وجهه-، والذي يعظ الناس في الشوارع والبيوت والبرية والحقول، وآخر اليوم لم يكن له أين يسند رأسه.
أجمل من بني البشر
الإنجيل بعهديه "القديم والجديد"، لم يلمح ولو في أي آية إلى الوصف المادي للمسيح، وراح لما هو أبعد عن مظهر المسيح بالجسد، ففي (إشعياء 53: 2 ") نجد أنه "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ"، أي أن المسيح كان رجل عاديا يشبه أي شخص آخر، ولم يكن ذا بشرة بيضاء كما تصوره الكنائس الغربية، وربما لأن السرديات الإنجيلية بالعموم لا تكترث بمظاهر الناس وخصائصها العرقية، فذهب المزمور 45:2–3 إلى وصف موجز "أجمل من بني البشر".
وجيها في الدنيا والآخرة
قبل تبشير العذراء مريم بابنها، مسحه الله من الذنوب وطهره وجعله كلمة منه ذا منـزلة عالية وشرف وكرامة، يعيش في الدنيا يبلغ رسالة ربه وفي الآخرة يسكنه في جواره ويدنيه منه " إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"، واستدل المفسرون من الآية على أن المسيح هو الوحيد بين الأنبياء الذي وصف بالوجاهة في القرآن.
الرسول والمسيح
حين اجتمع الرسول مع الصحابة يحدثهم عن أوصاف الرسل الكرام الذين قابلهم أثناء عودته من رحلة المعراج، ذكر عيسى ابن مريم بكلام قليل للغاية -وفقا للحديث أبي هريرة- الذي رواه البخاري ومسلم، كان المسيح قائم يصلي، ووصفه النبي: "وأما عيسى ابن مريم، فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس، تخال رأسه يقطر ماء، وليس به ماء، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي".
وفي حديث ابن عمر، قال الرسول: "أَرَانِي فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ قَدْ رُجِّلَتْ، وَلِمَّتُهُ تَقْطُرُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، رَجِلَ الشَّعَرِ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ."
حديث آخر في الصحيحين عن ابن عباس جاء فيه عن النبي: "رأيت عيسى رجلا مربوعا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض".
أحاديث الصحابة عن الرسول، أبقت على الإشكال خاصة فيما يتعلق بلون بشرة المسيح، فما جاء في حديث أبي هريرة يؤكد أن عيسى ابن مريم من أصحاب البشرة المائلة إلى الحمرة، أما حديث ابن عمر، ذكر أنه كان رجلا آدم (أسمر)، أما باقي الأوصاف في الأحاديث النبوية أعادت للأذهان مجددا الصورة الأوروبية للمسيح، متوسط القامة، عريض الصدر، واسع الجبين، مسترسل الشعر جاوز شحمة الأذنين.
حنان وهيبة
صورة وصفية أخري للمسيح تتفق بعض الشئ مع ما جاء في أحاديث المعراج، لكن هذه المرة نجدها عند عباس العقاد في كتابه "حياة المسيح"، تداولها المسيحيون فى القرن الرابع الميلادى، وزعم رواتها أنها كتبت بقلم "بيليوس لنتيولس"، صديق "بيلاطس" حاكم الجليل من قبل الدولة الرومانية، كان قد رفعها إلى مجلس الشيوخ الرومانى فى عصر الميلاد.
لما بدأ العقاد رصد ما جاء في رسالة "بيليوس لنتيولس"، تكلم عن صفات المسيح الخلقية بشكل واضح، فكان وجهه يميل إلى الحمرة وبشرته نضرة نقية، وشعره طويل غير مهذهب بلون الخمر، وجبينه واسع عريض ناعم، أسنانة بيضاء مرصوصة وأنفه جميل، وعيونه زرقاء لامعة، طويل وله يدان جميلتان مستقيمتان.
ولما ذهب لسيماه، بدأ بقوته الخارقة ووضع بجانبها حنانه وهيبته، فكان يحبه من يراه ويخشاه، وسيماه كلها صدق ورحمة، مخيف إذا لام أو أنب، وديع محبب إذا دعا وعلم، لم يره أحد يضحك، ورآه الكثيرون يبكى، كلامه متزن رصين لا يميل إلى الإطناب.
ويرى "العقاد" أن هذه الرواية مشكوك فيها وفى إسنادها مثل جميع الروايات التى تداولها الناس فى ذلك العصر أو بعده، ومنها ما لا يعقل ومدسوس من أعداء المسيحية فى تلك العصور الأولى، كقول بعضهم إنه كان قميئا أحدب دميم الصورة، ما يتناقض مع الشريعة الموسوية التى كانت تشترط سلامة الخَلْق وسلامة الجسم من العيوب، ولا ترسم لخدمة الدين من يعيبه نقض أو تشويه.