رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العبقرية المصرية ممتدة في الجينات، فهذا الشعب الذي صنع الحضارة وقت لم يكن هناك شيء يذكر علي وجه البسيطة، هو ذاته الذي يمتلك القدرة للحفاظ علي إرثها العظيم في حاضر يتبدد فيه كل شيء وتتساقط الدول وتهدم الحضارات وتنسف القيم الإنسانية تحت ذرائع واهية تستر من ورائها أطماع وصراعات دولية، فقد أثبتت مصر عبر متحفها الكبير ومن قبله موكب المومياوات أوالطفرة الكبيرة بمجال المحافظة على الآثار أن مصر وهي تمضي نحو جمهورية جديدة ترتكز علي حضارة عريقة تشكل الأساس ومصدر الإلهام.

 

النجاح المصري والقدرة علي النجاة بالحضارة المصرية من نظرية صراع الحضارات التي روج لها المفكر السياسي الأمريكي صموئيل هنتنجتون يعد إنجازاً عظيما يحتاج إلي تدبر، خاصة أن هنتنجتون أشار خلال نظريته إلى أن صراعات الدول ما بعد الحرب الباردة لن تشتعل لأسباب  سياسية واقتصادية أو حتي أيديولوجية لكنها ستصبح مواجهات حضارية لأسباب دينية وثقافية، وربما للوهلة الأولى تظن صحة النظرية خاصة إن كنت من ساكني إقليم الشرق الأوسط البائس، بينما أثبتت مصر عكس تلك النظرية فهي قد تمكنت من صياغة نظرية أخرى تحت عنوان ائتلاف الحضارات ودشنت علاقات متينة مع مختلف الدول ذات الإرث الحضاري العريق.

 

وهذا ليس وليد اللحظة ولكنها هكذا كانت علي مدار التاريخ وما زالت تؤمن بنفس النهج، ولعل مشروع إنشاء وتشييد المتحف المصري الكبير والتعاون المصري الياباني خير شاهد ودليل علي قدرة الحضارات والثقافات المختلفة علي التعاون والتلاقي، بل إن حفل الافتتاح هو أيضا حمل رسائل تلك النظرية المصرية للعالم أجمع سواء عبر كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي أشارت لمفاهيم التعايش والتعاون والإنسانية وأيضا السلام وتأثيراتها الإيجابية علي بناء الخضارات، أو عبر القوة الناعمة التي حاولت التأكيد علي هذا المعني.

لم تنج مصر بحضارتها فقط من صراع الحضارات بل انتصرت لها أمام التطرف والإرهاب الذي دُفع كأداة وظيفية لهدم شواهد الحضارات القديمة كما حدث في سوريا والعراق وأفغانستان وغيرهم من دول، وهنا يجدر الحديث عن ثورة 30 يونيو المجيدة التي استردت الوطن من يد جماعات التطرف والإرهاب، ليعود مفهوم الدولة الوطنية بأركانها السبعة التي تشكل الهوية المصرية الفريدة والمنصهرة في بوتقة مصرية خالصة، لهذا يعد افتتاح المتحف المصري الكبير بمثابة انتصار جديد للهوية المصرية التي حاول أهل التطرف اغتيالها.

السؤال هنا إذا كان هذا الشعب المصري استطاع أن يحقق تلك الانتصارات الفكرية لصالح بقاء الهوية والحضارة المصرية.. كيف صنع هذا؟
وجدت الإجابة في داخل مضمون كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير، حيث ذكر ثماني سمات أساسية تميز شخصية المصري عبر العصور  وترسم ملامح عبقريته وهي كالآتي:

1 دؤوب.. وبالفعل الإصرار والعمل ومواصلة الطريق وقهر المستحيل سمة مصرية شهد بها الكثير والكثير من الإنجازات والانتصارات المصرية.

2 صبور.. الشخصية المصرية تتمتع بصبر وجلد يمكنها من تحمل ما تنوء عن تحمله الجبال ويعجز أمام تفسيره القاصي والداني، ولعل هذا الصبر دائما ما يكون مفتاح النصر.

3 كريم.. هنا لن أتحدث عن التاريخ وبما يحمله من شواهد كرم الشعب المصري والعطاء الذي هو بلا حدود، ولكن بالحديث عن الواقع واستيعاب مصر علي أرضها 10 ملايين ضيف من مختلف الدول العربية والأفريقية الشقيقة والمعاملة الكريمة من الشعب المصري لهؤلاء الضيوف خير دليل علي كرم وعطاء الشخصية المصرية.

4 بنّاء للحضارات.. هذا لا يحتاج شاهد أو دليل، فقدماء المصريين تركوا ما يعجز العقل البشري عن فك ألغازه بل إن البناء راسخ في العقيدة المصرية حيث التشيد والعمران الذي هو قائم بالجمهورية الجديدة دليل قاطع علي كون المصري بناء بطبعه.

5 صانع للمجد.. وكم من صنائع المجد حققتها العقول والسواعد المصرية علي مدار التاريخ وفي الوقت الراهن، وكم من انتصارات ومنجزات ودروب من الخيال اجتازها المصري بطريقته الخاصة وعبقريته المذهلة.

6- معتز بوطنه.. عزة الإنسان المصري وكرامته مرتبطة على مدار العقود بعزة وكرامة الوطن بل إن تضحيات الشهداء عبر التاريخ حفاظا على تراب مصر النفيس يؤكد المعدن المصري المعتز بوطنه.

7 حامل راية المعرفة.. المصري القديم الذي نقش على جدران المعابد مذ آلاف السنين أورث راية المعرفة والعلم لجيل بعد جيل لتظل مصر منارة الفكر والمعرفة وأيضا الفنون والعلوم، بل إنها علمت الإقليم وساهمت بقوتها الناعمة في تشكيل وعي الأمة العربية وحتي الأفريقية وأثرت بشكل إيجابي وتوحدت فكريا ومعرفيا علي الساحة الدولية بجدارة والدليل علي هذا زخم الحضور الدولي في حفل افتتاح المتحف المصري الكبير

8 رسول  دائم للسلام.. لم تكن مصر على مدار التاريخ معتدية ولكنها لم تكن يوما مستسلمة فهي قد رفعت راية السلام منتصرة قوية كأول دولة في العالم توقع اتفاقية سلام والمعروف باتفاق قادش الذي وقع بين الملك رمسيس الثاني والملك الحيثي خاتوشيلي الثالث.. ثم توالت العقود ومصر تحارب فقط من أجل تحرير ترابها من دنس أي محتل أو غاصب حتى قرر الرئيس الراحل أنور السادات الذهاب منتصرًا لتوقيع اتفاق كامب ديفيد، ومازال مصر رسولا للسلام يسعي لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.

اليوم يتأكد لنا أن البعث والخلود عند قدماء المصريين مفهوم أعمق بكثير من فكرة الحياة بعد الموت، مفهوم يؤكد أن المصري القديم كان يؤمن أن يومًا ما ستأتي أجيال تبعث وتُخلد تلك الحضارة المصرية القديمة، وهو ما يحدث الآن من بعث وتخليد لتلك الحضارة حفاظا عليها إلي يوم الدين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء