رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"راحت السَكرَة..وجات الفكرة" هكذا يقول مثل مصري معروف، والقصد هنا هو الانتقال من مرحلة التأثر بالمشاعر والانغماس في العاطفة إلى مرحلة الفعل، ويُذكَر هذا المثل عند وقوع حدث يحمل معه الكثير من المشاعر الحلوة أو المحزنة ثم يتطلب الأمر الانتقال لمرحلة إعمال العقل للتفكر والعودة إلى أرض الواقع.

وها وقد انقضى أمر الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير، وعشنا قبله ومعه موجة جارفة من مشاعر الاعتزاز والفخر بهويتنا المصرية الممتدة عبر التاريخ؛ جاء الأوان لتوظيف هذهِ الحالة من الحماسة إلى أفعال أكثر استدامة، تماماً كما يمثل استكمال المتحف نفسه وتحويله من حلم إلى فكرة ثم واقع احتاج تنفيذه لسنوات من العمل الممتد والدؤوب ؛ رمزاً لأهمية العمل ومن قبله وجود الرؤية ثم استلهام القوة والعزيمة والهمة لأجل خدمة الوطن.

يقف كلٌ في مكانه راعياً لرعيته: في البيت والأسرة والعائلة، في العمل أياً كان نوعه؛ مسؤولاً عن "تفعيل" البراعة والعظمة المصرية التي أثبت التاريخ وجودها وريادتها واستدامتها، المتحف الكبير بكل دلالاته المعبرة عن وجود دولة قوية ذات رؤية وهمة وعزيمة، هو في حد ذاته دافع كبير في لحظة فارقة على المستوى الإقليمي والعالمي، يجعل العمل على ترسيخ مفهوم الهوية المصرية، وقيم العمل والاجتهاد والعلم؛ أمراً ضرورياً لا مفر منه، بل أن اللحظة مواتية بقوة لاستثمار ذلك في كل المناحي، وكما نستثمر ذلك على مستوى السياحة التي استعادت عافيتها متجهةً نحو عصرٍ ذهبي، لابد من ترسيخ مفاهيم الهوية المصرية التي تعرضت لمحاولات التشويه لكنها صمدت لعظمتها وحقيقتها، ويكون ذلك بالعلم والفعل..كلاهما.

يثور الحديث في مناسبات متعددة عن مشاكل تواجه بنيان الأسرة المصرية بسبب مستجدات التكنولوجيا وعصر العولمة، لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن بناء الأسرة كوحدة الاجتماعية يمتد عبر آلاف السنين في الوعي المصري، وكما يشير جيمس هنري بريستد في كتابه المهم "فجر الضمير" ( ترجمة سليم حسن)، فإن فلسفة تكوين الأسرة كقيمة اجتماعية وأهميتها في حياة الإنسان وبناء المجتمع، نشأ في مصر القديمة مبكراً وتجانس مع فكرة قيام الدولة، فقد كان هو نفسه بذرتها الأولى، ومن هنا ندرك دور الأسرة في حماية المجتمع وبنيان الدولة، وكذلك خطر تفكك معناها تحت وطأة الضغوط المتنوعة على كليهما.

ومن هنا أرى أن الاهتمام بتعميق الاستقرار الأسري هو ما يجب أن نستلهمه من حضارتنا العظيمة، تطلعاً لمسقبل أكثر ازدهاراً وحضارة حديثة أكثر ديمومة، ويكون ذلك بإعلاء القيم التي نشأت الأسرة عليها في مصر القديمة، وأهمها العدل والرحمة والمسؤولية.

قد يبدو الأمر بعيداً بعض الشئ لكن في الحقيقة يبدأ كل شئ من البيت، فإن كنا نستقبل أجيالاً تواجه ارتباكات في الهوية والقيم لأسباب أكبر من قدرة هذه الأجيال على الفهم والاستيعاب، وقدرتنا على المواجهة، ما ينعكس في صورة أخطار منها ما هو معلوم ومنها المجهول؛ فإن الواجب علينا أن نعود لنقطة البدء: الأسرة..قبل كل شئ، ولا أعني بتاتاً السيطرة والتحكم وفرض الرؤى المتحجرة، وإنما توفير الحياة الآمنة الهادئة المستقرة على المستوى النفسي والعصبي، التي تتيح للأسرة احتواء أفرادها، وعلى المستوى الثقافي ما يتيح للأسرة أن تبني رؤية وتكتسب هوية مصرية بعمق وتجذر فتحافظ على ما لديها من إرث الأجداد، وتبني رؤية للمستقل قائمة على الفهم لمعنى الهوية وبما يليق بها: الهوية المصرية .. والأسرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء