رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهوية الحضارية ليست ترفًا: المتاحف الأثرية درع وطني في مواجهة العولمة الثقافية

الأثار المصرية في
الأثار المصرية في المتحف الكبير

في الوقت الذي كانت تتكبد فيه جيوش ألمانيا النازية خسائر فادحة على الجبهة الشرقية على يد السوفيت، والغارات الأمريكية الإنجليزية لا تتوقف عن دك برلين وحصونها، وتستعد لأكبر إنزالاتها البحرية في النورماندي، كان الزعيم الألماني أدولف هتلر والمهندس الأول للرايخ الثالث الألماني "ألبرت شبير" يضعان اللمسات النهائية لمدينة "جرمانيا" الألمانية، والتي تعد متحفًا مفتوحًا يعبر عن الهوية الحضارية الألمانية.

رغم الظروف التي كانت تعانيها ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تتوقف عن التفكير في بناء أبنية ومدن تعبر عن هويتها الحضارية والثقافية، فأولوية الحفاظ على الهوية الحضارية في كثير من الأحيان تسبق الأولويات السياسية والعسكرية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

ولعل تاريخ الحرب العالمية الثانية يكشف لنا عن مزيد من السرقات الحضارية، فالجيوش النازية خلال اقتحاماتها لبلجيكا وفرنسا عمدت إلى سرقة الآثار التاريخية مثل اللوحات الفنية الخالدة التي تعبر عن بداية عصر النهضة الأوروبية، وبعد انتهاء الحرب عمدت قوات الحلفاء إلى تشكيل وحدات خاصة من أجل استرداد هذا الإرث الحضاري المسلوب.

ورغم التدمير الهائل الذي واكب الحرب العالمية الثانية، إلا أن مدينتين فقط هما من سلمتا من هذا التدمير، هما باريس وروما، نظرًا لمكانتهما الحضارية في نفوس الأوروبيين، فباريس هي عاصمة النهضة الحضارية الأوروبية الحديثة، والتي رفض القادة الألمان تدميرها على غرار بقية المدن التي استولوا عليها، وكذلك الحال بالنسبة لروما الإيطالية، فمع دخول الحلفاء إليها وتخليصها من حكم الفاشي موسوليني لم تتعرض للتدمير الممنهج كما تعرضت له برلين، نظرًا لمكانتها الأدبية والحضارية في أوروبا، فهي عاصمة الإمبراطورية الرومانية التي حكمت العالم في قديم الأزل، وهي أيضًا تحتضن دولة الفاتيكان التي تعبر عن الهوية والإرث المسيحي في أوروبا.

 الحفاظ على الهوية والتراث القومي

وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن الحفاظ على الهوية والتراث القومي ليس أمرًا ترفيًا، وليس وسيلة للانتشاء السياسي، بل أمر قومي وضروري. فمصر، ورغم مرورها بالعديد من الأزمات في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، إلا أنها تمتلك رصيدًا لا يُقدَّر اقتصاديًا وماليًا، وهو إرثها وهويتها الثقافية والحضارية، ورأت أهمية الحفاظ على هذا الإرث وعدم التفريط فيه بأي شكل من الأشكال.

مؤخرًا، انتشرت العديد من التحليلات والرؤى الناقدة لافتتاح المتحف المصري الجديد بالقرب من الأهرامات، مدعية أن بناء المتحف يُثقل عبء الميزانية العامة، إذ بلغت تكلفة بنائه ملياري دولار تقريبًا، في الوقت الذي تعاني فيه الموازنة العامة من عجز مزمن، وأن تكلفة زيارة المتحف والتجول في قاعاته الرئيسة تشكل عبئًا مضاعفًا على ميزانية الأسرة المصرية، التي لن يستطيع أغلب الأسر المصرية في الوقت الراهن زيارة المتحف.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

تلك الرؤية تنظر إلى افتتاح المتحف من منظور ضيق للغاية، من منظور الكلفة والعائد في المستقبل القريب، جاهلة تمامًا الأبعاد الاجتماعية والثقافية والحضارية للمتحف الجديد. فالمتحف ليس مجرد قاعات عرض للتماثيل والآثار الفرعونية القديمة، بل هو ذاكرة أمة، إن مُحيت مُحيت الأمة من على الوجود. لذا فالمتحف الجديد، بالإضافة إلى سلسلة المتاحف السابقة، عبارة عن كتاب مفتوح ينهل منه المصريون تاريخهم ويذكرهم في لحظات ضعفهم كيف كان جدودهم من جلد وصبر وإقدام على تحقيق حضارة لا مثيل لها.

ولعل أكثر المشاهد التي أثارتني شخصيًا خلال أحداث يناير 2011، هي بعض العمليات الإجرامية التي حاولت النيل من المتحف المصري القديم في ميدان التحرير ومحاولة سرقة محتوياته القيمة، فوقتها انتابني إحساس بأن تاريخنا يُنهب ويُسرق، وليس بعض التحف والأنتيكات القديمة.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

تجرد الوطن من مواطن قوته

فسرقة التاريخ أبشع من سرقة الذهب والماس والأنتيكات، فهي تجرد الوطن من مواطن قوته وتجعله ذليلًا ضعيفًا أمام الغير. ولعل المحاولات الدؤوبة التي تقوم بها إسرائيل منذ عقود في التنقيب أسفل باحات المسجد الأقصى للوصول إلى ما يسمى هيكل سليمان تفسر لنا أهمية بناء المتاحف والاهتمام بها، فالحكومات الإسرائيلية المعروفة عنها التشدد الاقتصادي وعدم إهدار المال العام، لم تنفك في البحث عن الهيكل المزعوم، ولم تبخل بالغالي والنفيس من أجل تلك الغاية.

فكيف لنا ونحن نملك آثارًا وحضارة بينة للعالم والخاص وليست مزعومة، أن نبخل ببناء متحف يضم آثارنا ويُعبر عن هويتنا الحضارية والثقافية؟ فإذا كان الأديب المصري طه حسين قد عبر ذات مرة بأن التعليم كالماء والهواء، فإن الحفاظ على تراثنا أشد من الحفاظ على الأرض.

الهوية الحضارية هي أساس الدول المعاصرة

تنقب الدول المعاصرة والطامحة إلى بناء دور إقليمي ودولي فاعل في دفاترها القديمة حول آثار وحضارات قديمة تعبر عنها، حتى وإن كانت حضارات تعبر عن جماعات رعوية ترحالية كتركيا على سبيل المثال.

ففي أثناء استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لنظيره الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، في يناير 2015، كان استعراض جنود حرس الشرف بالزي التقليدي للحضارات التركية القديمة، إذ ارتدى 16 جنديًا ملابس عسكرية تعود إلى العصور الوسطى والقديمة المعبرة عن حضارات الترك، سواء قبل الإسلام أو بعده، مثل حضارة قبائل الهن التي تأسست قبل الميلاد بمئتي عام تقريبًا، مرورًا بالحضارة السلجوقية والمغولية وأخيرًا الحضارة العثمانية. كما أن الخاتم الرئاسي التركي مزين بـ16 نجمة تمثل حضارات قبائل الترك منذ قبل الميلاد وحتى قيام الدولة العثمانية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

حضارات قبائل الترك قبل الإسلام أو حتى قبل الميلاد لا يمكن بأي حال مقارنتها بالحضارة المصرية القديمة، فحضارات قبائل الترك كانت حضارات رعوية يغلب عليها الطابع الهمجي، مثل حضارة قبائل الهن الرعوية التي روعت العالم وقتها، وكانت سببًا رئيسًا في تشكيل أوروبا الحديثة عبر المجازر التي ارتكبتها في آسيا الصغرى، مما دفع القبائل الجرمانية والقوط والفرانك إلى الفرار من أمامها وعبور نهر الدانوب وتأسيسها للدول القومية في أوروبا مثل إسبانيا وإنجلترا وألمانيا وفرنسا.

أما بالنسبة للحضارة المصرية القديمة، فهي حضارة مدنية زراعية لم تُرع جيرانها، بل قدمت لهم مفاتيح العلوم في الطب والهندسة والزراعة والفلسفة وغيرها من المجالات النافعة للبشر. لذا تعد الرؤى المقللة من شأن افتتاح المتحف المصري الجديد ومن قبله موكب المومياوات ضربًا من ضروب الجهل ومحاولة للنيل من القيم الحضارية المصرية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

استجداء حضاري

عملية الاستجداء الحضاري ليست وليدة اليوم، بل تمتد إلى قرون ماضية وتحديدًا منذ عصر النهضة الأوروبية وعصر الآلة البخارية. فالغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي اتفقا على أن الحضارتين اليونانية الإغريقية والرومانية هما المنهل الحضاري الرئيس لهما، رغم كون الحضارة الإغريقية نشأت وانتهت في مدن اليونان: أثينا وإسبرطة ومقدونيا، والحضارة الرومانية نشأت في روما عاصمة إيطاليا.

فأوروبيًا وأمريكيًا لا يُنظر إلى حضارة الإغريق على أنها حضارة يونانية فقط، وكذلك الحال بالنسبة للحضارة الرومانية. وكذلك الحال أيضًا بالنسبة لعصر النهضة الفكرية الأوروبية الذي نشأ في المدن الإيطالية مثل روما وبيزا وجنوة والبندقية، إذ يُنظر إليه على أنه امتداد للحضارة الغربية، وليس حضارة محصورة في الجانب الإيطالي فقط.

أما في واقعنا المحيط، فنجد محاولات استجداء حضاري باهتة الظل، منكرة للحضارة المصرية القديمة، ومحاولات للتقليل من شأنها، واستدعاء حضارات صحراوية لا شأن لها، ومحاولة مقارعتها بالحضارة المصرية القديمة.

المتاحف ذاكرة الأمة

اُستخدمت المتاحف في العديد من الأحيان كوسيلة لتحقيق التواصل السياسي، فمتحف اللوفر في باريس لا يُعتبر فقط حاوية تضم المقتنيات الفرنسية الأكثر قيمة في التاريخ، بل أيضًا شاهدًا على تطور التاريخ الفرنسي منذ العصور الوسطى إلى اليوم.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

وعلى الرغم من كون اللوفر عملًا فرنسيًا خالصًا، إلا أن الحضارة المصرية ألقت بظلالها المضيئة عليه، فمدخل المتحف مزين بهرم زجاجي أشبه بأهرامات الجيزة، كما أن الآثار المصرية القديمة تحجز ركنًا هامًا فيه.

فخلال الحملة الفرنسية على مصر، شغل «دومينيك فيفان» منصب المستشار الفني لنابليون بونابرت، وخلال وجود الحملة في مصر تمكن فيفان وفريقه من اكتشاف وادي الملوك وحجر رشيد وغيرها من الآثار المصرية القديمة، ونقل فيفان العديد من الآثار المصرية القديمة لتزين جنبات متحف اللوفر، الذي عُين رئيسًا له عقب عودة الحملة من مصر.

المتاحف والآثار المتنوعة تعد ناقلًا تاريخيًا بالغ الدقة عن الهويات الثقافية والحضارية للأوطان، فالكولوسيوم الإيطالي وقف شاهدًا على سياسات الحضارة الرومانية القديمة واضطراباتها المتعددة، أما الأكروبوليس اليوناني فكان معبرًا عن تطور الحضارة الإغريقية القديمة وملاذاتها الفلسفية.

الأثار المصرية في المتحف الكبير 
الأثار المصرية في المتحف الكبير 

لذا يعد المتحف الجديد الرابض في حضن الأهرامات وأبو الهول مثالًا حيًا على تواصل التاريخ المصري بلا انقطاع، وشاهدًا على تطور الحضارة المصرية منذ قديم الأزل إلى اليوم.

وختامًا..

نؤكد أننا أمة متصالحة مع تاريخها، فالتاريخ المصري لا يشوبه شيء، ولا ننسلخ عن حقبة معينة، فتلاحم الحضارات المصرية المتعاقبة يعد جزءًا من مكنون الشخصية المصرية بهويتها المتعددة: الفرعونية والقبطية والإسلامية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء